البحث المتقدم

البحث المتقدم

أعجبتُ بأستاذ- ولكن...!

0 تقييم المقال

 

أعجبتُ بأستاذِ طموحٍ كفؤ، جمعا بينَ العزيمةِ والتواضعِ بدأَ طريقهُ العلميَ بنيلِ شهادةِ الماجستير، ثمَ واصلَ مسيرتهُ بإصرارٍ لافتٍ رغمَ انخراطهِ في العملِ الحكومي، حتى توجَ جهدهُ بالدكتوراه عنْ جدارةٍ واستحقاق. كانَ الكتابُ رفيقهُ الدائم، والمعرفةُ زادهْ الذي لا ينفد؛ فاتسعَ أفقهُ وتنوعتْ اهتماماته، وبرزَ بينَ زملائهِ وأبناءَ مدينتهِ الريفيةِ مثال للباحثِ المتوقدِ شغفا بالعلم. لمْ يكتفِ بتخصصهِ الدقيق، بلْ انفتحَ على الحقولِ المتصلةِ به، فدرسها بعمقٍ وأحاطَ بمفرداتها، وأسهمَ في تدريسِ موادَ متعددةٍ في كليته، وألفَ وبحثَ فيها، حتى غدٍ نموذجا للعالمِ الموسوعيِ الذي لا تحدهُ حدود. اتسمتْ آراؤهُ بالاتزان، وأسلوبهُ بالرصانة، وتميزَ بإجادتهِ لغةً أجنبيةً دعمتْ حضورهُ الأكاديمي، إلى جانبِ التزامٍ دينيٍ وخلقٍ رفيعٍ جمعا بينَ العلمِ والقيمِ في صورةٍ نادرة.

 تعرفتْ إليهِ بعدَ عامِ 2005، ثمَ افترقَ مسارانا حينَ اختارَ ميدانُ التعليمِ الذي وجدَ فيهِ شغفهُ الحقيقي، وهناكَ تجلتْ رسالتهُ وأثمرَ عطاؤه. ومنذُ بداياته، كنتَ أستشرفُ لهُ شأنا كبيرا بفضلِ قراءاتهِ العميقةِ وثقافتهِ الواسعة؛ وقدْ صدقَ الظن، فتقدمَ بخطى واثقة، وحققَ مراتبَ علميةً متقدمة، وواصلَ الكتابةَ والتأليفَ بجهدٍ متجدد.  لقدْ كنتَ منْ المنتفعينَ بعلمهِ ومشورته، إذْ كانَ حضورهُ العلميُ والإنسانيُ باعثا على الإلهام. شدني إليهِ منذُ اللقاءِ الأول؛ واسعٌ الاطلاع، قوي الحجة، مهيب المكانة، تحيطَ بهِ هالةً منْ التقديرِ لعلمهِ وأصلهِ ومقامهِ الاجتماعي، وهوَ منْ أسرةٍ عريقةٍ ذاتِ جذورٍ عربيةٍ معروفة. غيرَ أنَ هذا التقديرِ امتزجَ بشيءٍ منْ الحيرة؛ فمعَ رسوخِ علمهِ وعلوّ شأنه.

بدأ أحيانا متردداً في مواقفه، تتجاذبهُ اعتباراتُ القبيلة، حينًا والانتماء المذهبيِ حينا آخر، وتغيرَ لقبهِ أكثرَ منْ مرة، متنقلاً بينَ توجهاتٍ مختلفة، مما أثارَ تساؤلاً مشروعا: كيفَ يجتمعُ اتساعَ المعرفةِ معَ غيابِ الثباتِ الذي يفترضُ أنْ يكونَ ثمرةً منْ ثمارها؟ إنهُ عتبٌ محبٌ يتمنى أنْ تكتملَ الصورةُ بما يليقُ بصاحبها، وليتذكرَ قولهُ تعالى: ( لقدْ خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويم) التين: 4 .

  ورغم ذلك، لمْ تثمرْ تلكَ التحولاتِ بحصولهِ على منصبٍ إداريٍ يوازي مكانتهُ العلمية؛ بلْ آلَ بهِ الأمرُ أنْ يصبحَ أحدُ تلامذتهِ مسؤولاً مباشراً عنه، في واقعٍ تحكمهُ في مدينتهِ الصغيرةِ اعتباراتِ المحاصصةِ والانتماءاتِ الضيقةِ أكثرَ مما تحكمهُ معاييرُ الكفاءةِ والاستحقاق.

  تمسك، أيها الأستاذُ الكريم، بعلمكَ وأصالتكَ العربيةَ الراسخة، ولا تثقلُ لقبكَ العشائريَ بألقابِ أخرى لا حاجةً لكَ بها. فأنتَ في غنى عنْ ألقابٍ دنيويةٍ زائفةٍ كالسيدِ أوْ الشيخِ أوْ الأميرِ أوْ الباشا. ولا تعظمَ منْ الأسماءِ والألقابِ إلا اسمُ اللهِ الواحدِ الأحد.

     ليكنْ علمكَ دليلك، وقيمكَ مرشدك، فأنتَ أحقّ بالتقديرِ بفكرك الواسعِ وبيانكَ الرصينَ منْ أولئكَ الذينَ يتكلفونَ المظاهرُ في كلِ مناسبة؛ حتى في مجالسِ العزاء، يقفونَ أمامُ لافتاتِ النعيِ ليتصدروا مشاهدَ التواصلِ الاجتماعي، ثمَ يعلقُ بعضُ المعجبين: (نورتْ شيخنا).

  إنَ نوركْ الحقيقيَ في علمكَ وثرائكَ الفكري، لا في صورةٍ تنشرُ أوْ مشهدٍ يستعرض. فبهما تنيرُ دروبَ الجاهلينَ والمغررَ بهم. فلا تكنْ كمنَ يوثقُ يومهُ منْ الصباحِ إلى المساء، وكانَ حياتهُ سلسلةَ منشورات، لا يغيبُ عنها إلا ما لا ينشر. تلكَ زخارفُ الحياةِ الخادعة، وقدْ قالَ تعالى: (...وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تتنابزونَ بالألقاب...) الحجرات: 11.

نعم
هل اعجبك المقال