البحث المتقدم

البحث المتقدم

اليمن الجريحِ يبحثُ عنْ بلقيسْ المنقذة

0 تقييم المقال

 

يشهد اليمن منذ سنوات صراعًا مؤلمًا لم يترك أثره على السياسة فحسب، بل امتد ليضرب عمق النسيج الاجتماعي والإنساني للشعب اليمني. صراعٌ بين أبناء الوطن الواحد في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها هذا البلد العريق، وبين تضارب المصالح الداخلية والتدخلات الخارجية، يدفع المواطن اليمني البسيط ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره ومستقبله.

 أن ما يحدثُ في اليمنِ السعيدْ، ليسَ أمرٌ عابرٌ، يمكنُ المرورُ عليهِ مرورُ الكرامِ فالصراع الدامي الذي تعيشهُ البلادُ بعدما سميٌ ب (ثوراتُ الربيعِ العربي) – والتي كانتْ في حقيقتها خرابا عربيا شاملاً – كشفَ حجمُ المأساةِ التي وصلتْ إليها بعضُ الأوطانِ العربية، فرغمَ ديكتاتوريةِ الأنظمةِ العسكريةِ في عددٍ منْ الدولِ العربية، وما ارتكبتهُ منْ جرامٍ بحقِ شعبها، ولكنَ المواطنَ العربي، كانَ يشعرُ- على الأقل-  أنهُ يعيشُ في دولةٍ ذاتِ سيادة، لا في كيانِ تمزقهِ الميليشياتِ والعشائرَ المسلحة، حيثُ ترفعُ البنادقُ والخناجرُ في وجهِ أبناءِ الشعبِ الواحد؛ الأخِ ضدَ أخيه، فإنَ لمْ يجدْ فابنُ عمه، ثمَ ابن عشيرته، ثمَ ابن منطقته، حتى يصلَ الصراعُ إلى الوطنِ كله.

كلُ ذلك، منْ أجلِ ملذاتِ الدنيا الزائلة، وعلى رأسها ذلكَ الكرسيِ المشؤوم، الذي يسمى كرسيُ الحكم، وما يجنى بسببهِ منْ المالِ الحرامِ والجاهِ الزائل، فها هوَ الصراعُ المحليُ بين الأخوة الأعداء منذُ سنواتِ عدةٍ ، يمزقُ أهلنا وأبناء عمومتنا في اليمن السعيد، بعدما أنْ أعلنوا ثورتهمْ الربيعيةُ ضدَ نظامِ الرئيسِ الأسبقِ الراحلِ علي عبدِ اللهْ صالحْ، ويا ليتهمن من تلك الثورة البغيضة التي مزقت شرايين واوردة القلب السعيد باسم الديمقراطية المزيفة .

عندما نقولُ اليمن: وما أدراكَ ما اليمن؟

- إذا سئلَ الناسُ عنْ أصلِ العربِ قالوا: منْ اليمن. نعمَ فهمُ مهدِ العربِ القحطانيين، همْ العربُ الأوائلَ الذينَ كانتْ العربيةُ لغتهمْ الأم، ونشؤوا في جنوبِ الجزيرةِ العربية، بينما نشأتْ " العربَ المستعربةَ " (العدنانيين) في الشمال.

- إذا سئلوا عنْ العمرانِ والسدودِ ، قالوا: سدُ مأرب، فهيَ قصةُ أعجوبةٍ هندسيةٍ قديمةٍ في اليمن، بناها ملوكُ سبأِ لتسخيرِ مياهِ الأمطارِ لريِ " جنةِ " أراضيهمْ الخصبة، وتحولوا بها لاكتفاءٍ ذاتي. كما في قولهِ تعالى: (لقدْ كانَ لسبإْ في مسكنهمْ آية، جنتانِ عنْ يمينٍ وشمال، كلوا منْ رزقِ ربكمْ واشكروا له، بلدةُ طيبةَ وربٍ غفور) سورةَ سبأ: 15.

- إذا سئلوا عنْ الجناتِ قالوا: جنةُ عدن. كما في قولهِ تعالى: (وعدُ اللهِ المؤمنينَ والمؤمناتِ جناتْ تجري منْ تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها ومساكنُ طيبةٌ في جناتْ عدن) التوبة: 72، أوْ في وقولهِ تعالى: (جزاؤهمْ عندَ ربهمْ جناتْ عدن) البينة: 8.

-  إذا سئلوا عنْ الشجاعة، فقولوا بلقيس ملكة سبأ: التي خلدها الله- سبحانهُ وتعالى- في القرآنِ الكريم، المرأةِ الحكيمةِ الشجاعةِ التي حكمتْ قومها بالعدل، ثمَ آمنتْ باللهِ ربَ العالمين. وقد- رفعَ اللهُ شأنها- وذكرها في كتابهِ الكريمِ بقولهِ تعالى: ( إني وجدتُ امرأةً تملكهمْ وأوتيتْ منْ كلِ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم) سورةَ النمل: 23. ثمَ كانَ ختامُ قصتها إيمانها وتواضعها للحق، كما قالَ تعالى: ( قالتْ رب إني ظلمتْ نفسيٌ وأسلمتْ معَ سليمانْ للهِ ربَ العلمين)ِ سورةَ النمل: 44.

حتى التاريخِ الإسلاميِ يشهدُ أنَ بعضَ الفتنِ والانقلاباتِ الكبرى كانَ لليمنيينَ حضورُ فيها، كما في قصةٍ (الأسودْ العنسي) الذي ادعى النبوةَ بعد وفاةِ نبينا محمد ، وقتلَ على يدِ الصحابيِ الجليلِ (فيروزْ الديلمي) وهوَ أيضا يمنيٌ الأصل.

إنّ تاريخ اليمن الحديث، زاخرٌ بالانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية، وهو نتاجٌ مباشرٌ للنظام العشائري الذي عجز عبر الزمن عن تحقيق الاستقرار للبلاد، بل أسهم في فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية التي لم تجنِ منها اليمن سوى الخسائر. ولعلّ أبرز مثال على ذلك تجربة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي تكبّد خسائر فادحة في الأرواح والمال نتيجة التدخل العسكري في اليمن، قبل أن ينسحب لاحقًا وسط انتقادات واسعة لذلك التدخل. ولا تزال مقابر الشهداء المصريين في صنعاء شاهدًا حيًّا على تلك المرحلة من التاريخ.

وكذلكَ، ما تفعله بعضُ الأطرافِ العربيةِ و الإقليمية والأجنبيةِ منْ الوقوفِ إلى جانبِ طرفٍ ضدَ آخر في الحرب الدائرة في هذا البلد الجريح، فقدْ خسروا الملياراتُ ومئات الأرواح، ولمْ يحققوا نتيجةٌ أمامَ شعبٍ يمنيٍ مقاتل، جبلي، صعب المراس.

  أما آنَ الأوانُ؛ أن ينهضَ صوتُ العقلِ ليوقفَ نزيفَ الدمِ اليمني؟ أن يخرجَ من صنعاءَ أو عدن، من حضرموتَ أو من أيِّ مدينةٍ من مدنِ التاريخِ والحضارةِ العربيةِ العريقة، ليعيدُ لليمنِ دولتَه، وكرامته، وسلمه المدني، كما سائرِ شعوبِ العالم، لتنعمَ بالسلام؟ تحتَ أيِّ مسمّى كان: فيدراليًّا، جمهوريًّا، ملكيًّا، كونفدراليًّا، أو أيَّ نظامٍ سياسيٍّ آخر؛ فالعبرةُ ليست بالأسماء، بل بايقاف النزيفُ  الدموي المستمرُّ ، وإعادة الحياةُ الكريمةُ لشعبٍ أنهكتْه الحروب، حتى غدا أكثرُه لاجئًا في أصقاعِ الأرض، يبحثُ عن رغيفِ خبزٍ وأمانٍ مفقود.

إنّ يمنَ اليومِ ينتظرُ بلقيسَ جديدةً؛ بسيفها، وحكمتها، وعقلها، وبرجالها الحكماءِ من أبناءِ اليمن، يعيدونَ هيبةَ دولتهم، ويوحّدونَ الصفوف، ويوقفونَ نزيفَ الدمِ الذي تسفكهُ في معظمهِ أيادٍ أجنبيةٌ جاءتْ بسكاكينها لتقطّعَ أوصالَ اليمنِ السعيد. لعلّ الرشدَ يعود، والعقلَ ينتصر، لمن تبقّى من عقلاءِ هذا الشعبِ الكريم؛ الفقراءُ إلى الله، الأغنياءُ بتاريخهم وحضارتهم، المستحقّينَ لحياةٍ تليقُ باسمِ اليمنِ السعيد.

  لقد جاءت  بعض النصوص الدينية والأقوال المأثورة لتؤكد المكانة العميقة لأهل اليمن، إذ ورد في الحديث النبوي الشريف:  الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، وهي دلالةً على ما يتمتع به اليمنيون من صفاء الإيمان ورجاحة العقل والحكمة. وقول الإمام علي بن أبي طالب(ع): نِعمَ القومُ أهلُ اليمن، قلوبٌ رقيقة، وأفئدةٌ لينة، مشيرًا إلى رقة قلوبهم وسمو أخلاقهم. في حين،أكد المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون ذلك بقوله : كان لليمن من الحضارة والعمران ما لم يكن لغيرها من الأمم في جزيرة العرب. بينما ذهب الهمداني إلى القول : اليمن أصل العرب، ومنها انتشرت القبائل والحكم، في إشارة إلى الدور الحضاري والتاريخي العريق لليمن.

نعم
هل اعجبك المقال