البحث المتقدم

البحث المتقدم

خديجة: شريكة الرسالة

0 تقييم المقال

 

كثيرًا ما نسمع في عصرنا الحاضر، وخصوصًا عند من يتبنّين الفكر النسوي، اعتراضًا على فكرة أن تساعد الزوجة زوجها أو تؤازره في مواجهة محن الحياة وتقلباتها. غير أنّ الواقع يُثبت أنّ الأزواج اليوم يواجهون ضغوطًا أشد وأثقل مما تحمّله آباؤنا وأجدادنا، وذلك بفعل التطور السريع وتعقيدات هذا العصر، حيث تحوّل ما يُعرض على شاشات التلفاز أو منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يُنظر إليه كجزء من متطلبات الحياة اليومية أو حتى من مستلزمات الزواج.

 

وفي ظل هذه الظروف، تتزايد الأعباء المعيشية، ويشتد الغلاء، فيثقل الحمل على كاهل الرجل الذي يجاهد لتأمين أساسيات الحياة الزوجية التي أوجب الله تعالى عليه توفيرها لزوجته قبل بدء حياتهما المشتركة، من مسكن وملبس وطعام. وقد وردت في هذا الشأن أحاديث شريفة عديدة تؤكد هذا الواجب، منها:

 

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حق المرأة على زوجها أن يُشبعها ويكسوها، ولا يُقبّح لها وجهًا» [1]

 

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «النفقة على الزوجة واجبة: الكسوة، والطعام، والمسكن، وما جرت به العادة» [2]

 

عن الإمام الباقر (عليه السلام): «المرأة يُنفق عليها زوجها ما يُقيم ظهرها ويستر عورتها، ويُطعمها ويكسوها، فإذا فعل ذلك فقد قضى ما عليه» [3]

 

عن الإمام الصادق (عليه السلام): «على الرجل أن ينفق على امرأته وإن كانت له مال، فليس لها أن تنفق من مالها إلّا برضاها» [4]

 

فكل هذه الأحاديث تؤكد وجوب نفقة الزوج على زوجته.

 

لكن الإسلام ـ وهو دين شامل وواسع ـ يعالج مختلف قضايا الحياة، ويضعها في ميزانه العادل والمستقيم، فيطرح الحلول، ويجعل لكل أمرٍ أجرًا وثوابًا، حتى في أصغر التفاصيل. قال تعالى:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [5]

 

وحين تتوالى الأزمات وتثقل الحياة بمصاعبها، قد يجد الرجل نفسه غارقًا في متاهات الزواج وتبعاته. وهنا تكون الزوجة، وهي أقرب إنسان إلى قلبه، شريكة روحه وتوأم حياته، قادرة على المساعدة أو المساهمة في التخفيف من إحدى المحن التي يمرّ بها.

 

غير أنّ البعض ينسى أو يتناسى الدور المهم الذي قدّمته سيدة قريش الطاهرة، أم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وزوجة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام). فقد كانت من أطهر نساء قريش وأفضل نسائهم، تميزت بمالها الوفير، وتجارتها الواسعة، وعقلها الراجح، ورأيها السديد.

 

يقول الشيخ المفيد: «خديجة بنت خويلد كانت سيدة نساء قريش في عصرها، وأكثرهنّ مالًا، وأحسنهنّ خلقًا، وكانت تُدعى بالطاهرة» [6]

 

لقد ساهمت خديجة (عليها السلام) بكل أموالها وتجارتها في مؤازرة النبي (صلى الله عليه وآله) ودعم دعوته، ونصرة المسلمين في بدايات الإسلام، وخاصة في أيام الحصار القاسي الذي فرضته قريش على النبي وأهله وأصحابه في شعب أبي طالب، والذي استمر ثلاث سنوات.

 

ورد في الروايات الشريفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما قام الإسلام إلا بسيف علي ومال خديجة» [7]، وقال أيضًا: «ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال خديجة» [8]

 

وقد جعل الإسلام لمؤازرة المرأة لزوجها منزلة عالية، واعتبرها من القربات التي تُثاب عليها. فقد وردت في ذلك نصوص شريفة عديدة:

 

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته» [9]

 

عن النبي (صلى الله عليه وآله): «أيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام، أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيّها شاءت» [10]

 

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «جهاد المرأة حسن التبعّل» [11]

 

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «المرأة تُعان زوجها في النفقة عليه، وما تنفق عليه من مالها، كتب الله لها مثل أجر ما يُنفق الزوج» [12]

 

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها وله مثله، وللخازن مثل ذلك من غير أن يُنقص بعضهم من أجر بعض شيئًا» [13]

 

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «من أعانت زوجها على حطام الدنيا أعطاها الله من ثواب الصالحين» [14]

 

وعن النبي (صلى الله عليه وآله): «خير نسائكم… المرأة إذا أنفقت مع زوجها من مالها على عياله، كتب الله لها بكل درهم تنفقه على عيالها أجر ألف شهيد» [15]

 

الخلاصة

 

المرأة إذا ساعدت زوجها ماديًا تُثاب كما يُثاب الزوج، ويُكتب لها أجر الصدقة.

 

المشاركة المالية تعبير عن روح الشراكة الحقيقية في الزواج، وهو ما جسّدته خديجة (عليها السلام) عمليًا في دعم الرسالة.

 

الإسلام لم يُلزم المرأة شرعًا بالنفقة، لكنه جعلها إذا فعلت ذلك من باب المؤازرة والإيثار، تُؤجر أجرًا مضاعفًا.

 

المصادر:

 

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج103، ص254.

 

الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج7، ص415.

 

الكليني، الكافي، ج5، ص511.

 

الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج21، ص540

نعم
هل اعجبك المقال