البحث المتقدم

البحث المتقدم

فرادة الزهراء وأثرها في المجتمع النسوي

0 تقييم المقال

 

إنّ للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام مميّزاتٍ عظيمة أودعها الله عزّ وجلّ بها دون سائر النساء، وقد كان هذا الشرف الإلهي سابقًا لخلقها في عالم الدنيا، بل تقرّر لها في عالمٍ آخر، كما نقرأ في الزيارة المباركة: «يَا مُمْتَحَنَةُ، امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذِي خَلَقَكِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صَابِرَةً». فهذا النصّ من الزيارة الشريفة يدلّ على سبق الاستعداد والكمال قبل التعيّن الجسدي، ويكشف عن اصطفاءٍ إلهيٍّ سابق، وعن كمالٍ روحيٍّ أُعدّت له قبل أن تطأ أرض الوجود. وهو ما ينسجم مع قاعدة «الاصطفاء قبل الاصطفاء» التي أشار إليها الإمام الصادق عليه السلام بقوله: «إنّ الله اختارهم قبل أن يخلقهم، فكانوا عن يمينه عرشَه». — الكافي، الشيخ الكليني، ج1، باب أن الأئمّة نور الله.

ثمّ إنّها عليها السلام ابنةُ أفضل الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبوّة محمدٍ صلى الله عليه وآله، وزوجةُ خير الخلق بعد رسول الله، أمير المؤمنين وسيّد الأوصياء عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأمُّ سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهما السلام، وأمُّ الأئمّة الأطهار المعصومين من ذريّتها المباركة.

غير أنّ هذه النِّسَب المباركة لا تُفهم بوصفها عناصر شرفٍ اجتماعيّ، بل دلائل على وحدة المشروع الإلهي في النبوّة والإمامة والولاية؛ فالزهراء عليها السلام ليست حلقةً وسطى في النسب، بل محورًا في الامتداد الرسالي. وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وآله عن هذه الحقيقة بقوله: «فاطمة بضعةٌ مني، من آذاها فقد آذاني». وهذا الحديث يؤسّس لمعنى فلسفيّ عميق، مفاده أنّ الأذى المعنوي والوجودي للزهراء عليها السلام هو أذى للرسالة نفسها، لأنها تمثّل الامتداد القيمي والروحي للنبوّة.

ومن هنا، فإنّ الفرادة التي تحقّقت بها فاطمة الزهراء عليها السلام ليست فرادةً عابرةً مكتسبةً بسبب الحسب والنسب، وإنّما هي فرادةٌ ربّانية إلهيّة، جعلها الله بها سيّدةَ نساء العالمين في الدنيا والآخرة، وشرّفها بمقام الشفاعة، حتى إنّ الجنّة تُنال برضاها، وتُرجى بشفاعتها.

واصطفاها الله سبحانه وتعالى على سائر خلقه وملائكته، فجعلها القدوةَ الخالدة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتُجسّد في سيرتها العطرة كمالَ الفعل ونقاءَ القول. وعلى الرغم من قِصَر سنيّ عمرها في عالم الدنيا، إلّا أنّها كانت عالمةً غير مُعلَّمة، ومحدَّثةً مُلهَمة، يُلقي الملك في روعها، كما ورد في: — الكافي، ج1، باب أن فاطمة محدَّثة.

وفي منطق أهل البيت عليهم السلام، لا يُقاس الكمال بكثرة العمر، بل بكثافة الحقيقة. وقد لخّص أمير المؤمنين عليّ عليه السلام هذا المعنى بقوله: «قيمة كلّ امرئٍ ما يُحسنه». — نهج البلاغة، الحكمة 81.

وقد أحسنت الزهراء عليها السلام الوجود كلّه؛ ففي العبادة، حتى قال الإمام الحسن عليه السلام: «رأيتُ أمّي فاطمة قامت في محرابها ليلةً، فما زالت راكعةً ساجدةً حتى انفجر عمود الصبح». — علل الشرائع، الشيخ الصدوق.

فكانت، صلوات الله عليها، الحوراءَ الإنسية على ظهر الأرض، ومثالًا للكمال الإنساني الذي لم يُدركه أحد بعدها؛ إذ لم تُخلق امرأةٌ بعدها بلغت مقامها في الكمال، ولا سمتها في الشرف، ولا نازعتها في المقام، فبقيت فاطمة الزهراء عليها السلام قمّةً سامقةً لا تُدرك، ونموذجًا إلهيًّا يُحتذى إلى قيام الساعة.

 

أثرها في المجتمع النسوي

كانت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ـ ولا تزال ـ النموذجَ الإنسانيَّ والنسويَّ الوحيدَ المعصوم، الذي يحاكي مختلف الظروف والتحدّيات التي قد تمرّ بها المرأة في مسيرتها الحياتية.

فقد تتعرّض امرأةٌ للظلم من بيئتها أو من أقرب الناس إليها، فتُصاب بالخيبة والانكسار تحت وطأة المحنة. وأخرى تفقد أمّها في سنٍّ مبكرة، فتعيش قسوة اليُتم وحرمان الحنان. وثالثة تفقد أباها، فتذوق مرارة فقد السند، أو تفقد الوالدين معًا، فتجتمع عليها وحشة الفقد من كل جانب. وقد تمرّ امرأةٌ بتجربة فقد أولادها، فتبقى أسيرة الحزن والألم، أو تُعاديها الظروف والناس، فيُسلب حقّها وميراثها، وتُقابل بالقسوة والاعتداء. وهذه الصور المتفرّقة تعيشها نساءٌ كثيرات، كلٌّ بحسب نصيبه من البلاء.

غير أنّ ابنة أشرف الخلق، وزوجة سيّد الوصيّين عليهما السلام، اجتمعت عليها جميع هذه الآلام في آنٍ واحد؛ فقد فقدت أمّها في عمرٍ مبكر، وعاشت شظف العيش، وشاركت أمير المؤمنين عليه السلام ظروف الحصار والحروب، ثم فُجعت بفقد أبيها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل تعرّضت للأذى الجسدي، وكُسر ضلعها، ولُطم وجهها، وغُصب حقّها، وأُخبرت بمقتل أبنائها بأبشع الطرق وأقساها.

فأيّ امرأةٍ تستطيع أن تتحمّل هذا الكمّ الهائل من الآلام والمحن؟ إنّها فاطمة الزهراء عليها السلام، النموذج الفريد الذي امتحنه الله بأشدّ الابتلاءات، فخرجت منها صابرةً ثابتةً، لتبقى قدوةً خالدةً لكلّ امرأةٍ تواجه الظلم، وتبحث عن معنى الصبر، والكرامة، والثبات في أحلك الظروف.

 

الزهراء وإعادة بناء الوعي النسوي

وإذا أردنا إعادة صياغة المرأة وبناء وعيها، فلا بدّ من توفّر نموذجٍ مثاليٍّ واقعي، تستمدّ منه المرأة ـ فتاةً كانت أم زوجةً أم أمًّا ـ موقعها ودورها بحسب وجودها الأسري والاجتماعي، لتبني ركيزتها الأساسيّة في ذاتها وشأنها.

ومن خلال الغوص العميق في سيرتها العطرة، نجد أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام تمثّل أنموذجًا واقعيًا حقّق كلّ المعايير، وحاكى مختلف الظروف والمحن اليومية والدنيوية، على الرغم من شأنها العظيم ومقامها الرفيع في الدنيا وفي أعلى عليّين.

لقد حقّقت الزهراء عليها السلام العظمة والإنجاز من داخل أسرتها المباركة وخارجها؛ فكانت المتحدّثة العالمة التي واجهت الظلم والاستبداد بكلّ صلابةٍ وشجاعة، متردّيةً ثوب الإيمان والتقوى، سائرةً على نهج أبيها، ونصيرةً لزوجها، وذلك في خطبتها المشهورة «الفدكيّة الكبرى»، التي لم تكن خطاب مظلومية، بل بيانًا فلسفيًا سياسيًا عقائديًا أعادت فيه تعريف:

الخلافة

العدالة

الملكيّة

الشرعيّة

فالمرأة اليوم تستطيع أن تُثبت وجودها في المجتمع والأسرة إذا اتّخذت من الزهراء عليها السلام نموذجًا أمامها، واستلهمت من أيّامها ورزاياها القوّةَ والثباتَ والصبر.

ومن خلال أثرها المبارك، تستطيع كلّ امرأةٍ أن تعيد برمجة نفسها وحياتها ومكانتها الأسريّة والاجتماعيّة، عبر السير على نهجها ووصاياها المتكاملة، التي تبدأ بتطوير الذات، ثم بناء الأسرة، وتربية الأبناء، والوفاء بحقوق الزوج.

إنّ هذا الأثر العظيم يمنح المرأة حصانةً نفسيّةً وفكريّة، ويجعلها قادرةً على مواجهة أيّ هجماتٍ تستهدف الدين والمجتمع، مع الحفاظ على مكانتها وكرامتها في جميع الظروف

نعم
هل اعجبك المقال