البحث المتقدم

البحث المتقدم

 ما الذي كان يعرفه مسلم ولم يعرفه أهل الكوفة؟

0 تقييم المقال

لم تكن مأساة مسلم بن عقيل في أنه تُرك وحيدًا، ولا في أن الوجوه التي بايعته أغلقت أبوابها فجأة، ولا حتى في أن المدينة التي استقبلته بالهتاف سلّمته إلى الصمت. المأساة الأعمق كانت في شيء غير مرئي: فارق الوعي بين رجل واحد ومدينة كاملة. لم يكن الخلاف بين مسلم وأهل الكوفة خلاف نوايا، بل خلاف معرفة، معرفة من نوع لا يُكتسب بالكثرة ولا بالشعارات، بل بالبصيرة.
كان مسلم يعرف ما لا يُقال عادة في لحظات الحماس. كان يعرف أن الحق حين يتحوّل إلى موقف عملي، يفقد الكثير من أنصاره. وكان يعرف أن المدن لا تُقاس بما تقوله في لحظة اندفاع، بل بما تفعله عند أول تهديد. هذه المعرفة بالذات لم تكن حاضرة في وعي أهل الكوفة، أو لعلها كانت حاضرة ثم أُقصيت خوفًا.
كان مسلم يعرف معنى التكليف. لا التكليف بوصفه شرفًا، بل بوصفه عبئًا أخلاقيًا ثقيلًا. لم يدخل الكوفة ليصنع مجدًا شخصيًا، ولا ليقود ثورة ناجحة بالمعايير السياسية، بل لأنه أُرسل ليؤدي مهمة، والمهمة لا تُقاس بنتيجتها، بل بصدق أدائها. أما أهل الكوفة، فكانوا يعرفون الحق ما دام لا يطلب منهم أكثر من إعلان الولاء.

كانوا يعرفونه فكرة، لا التزامًا.
وكان مسلم يعرف أن الكثرة لا تصنع الصدق. لم يُخدع بعدد المبايعين، ولا بالجموع التي ازدحمت حوله في الأيام الأولى. كان يعرف أن العدد قد يكون اختبارًا أشد من القلة، لأن الكثرة تُغري بالاطمئنان الزائف، وتوهم الإنسان بأن المسؤولية موزعة، وأن الانسحاب الفردي لا أثر له. أهل الكوفة لم يعرفوا هذا، فذاب كل واحد منهم في الجماعة، حتى لم يبقَ أحد.
كان يعرف أيضًا أن الخوف لا يحتاج إلى تبرير فاضح. الخوف، في أكثر صوره شيوعًا، يتخفّى خلف لغة عقلانية: “الوقت غير مناسب”، “المواجهة خاسرة”، “الحفاظ على النفس أولى”. مسلم كان يعرف أن هذه الجمل لا تعبّر عن حكمة، بل عن تراجع مؤجل. كان يعرف أن الإنسان نادرًا ما يعترف بخوفه، لكنه بارع في تجميله.
وحين بدأت المدينة تنسحب خطوة خطوة، لم يُفاجأ مسلم. لم يكن الخذلان صدمة، بل تحقّقًا لما كان يراه في ملامح الناس. ومع ذلك لم يتراجع. هنا تكمن المعرفة الأخطر التي امتلكها: كان يعرف أن التراجع بعد الوضوح ليس نجاة، بل سقوط داخلي. كان يعرف أن النجاة الجسدية لا تعني شيئًا إذا فُقد المعنى.
وفي اللحظة التي بقي فيها وحيدًا، عرف مسلم شيئًا آخر لم يعرفه أهل الكوفة: أن الصمت قد يكون أصدق موقف. لم يخطب، لم يوبّخ، لم يستجدِ. وقف كما هو، بلا جمهور، بلا أصوات. كان يعرف أن الخطابات لا تُغيّر من اختار الانسحاب، وأن الموقف حين يفرغ من الناس يصبح أكثر نقاءً.
كان يعرف أيضًا أن الهزيمة ليست في الموت. الموت، في حسابه، كان احتمالًا واضحًا منذ البداية. الهزيمة الحقيقية كانت أن ينسحب بعد أن رأى الحقيقة كاملة. أهل الكوفة لم يعرفوا هذا الفرق. خلطوا بين الحكمة والهرب، وبين حفظ النفس وإلغاء الموقف. ظنّوا أن البقاء على قيد الحياة يكفي ليكونوا على حق.
مسلم كان يعرف أن التاريخ لا يكتب الأعذار. لا يهتم بما قيل في السر، ولا بما نُوي ولم يُفعل. التاريخ يرى الأفعال فقط. من ثبت، ومن انسحب. من تحمّل، ومن برّر. لهذا لم يترك مسلم خطابًا دفاعيًا عن نفسه، ولم يكتب وصية تشرح موقفه. كان يعرف أن الفعل وحده كافٍ.
الفارق بين مسلم بن عقيل وأهل الكوفة لم يكن فارق بطولة أسطورية، بل فارق وعي. وعي بأن الحق لا يُحب لذاته، بل يُحتمل بثقله. وعي بأن الموقف لا يُقاس بنتيجته، بل بصدقه. وعي بأن الامتحان الحقيقي لا يكون وسط الجموع، بل في لحظة الوحدة.
وهذا الفارق لم ينتهِ بانتهاء الحادثة. ما زال حاضرًا، لأن المدن تتشابه، والخوف يتكرر، والتبريرات لا تتغير. نعرف الحق اليوم كما عرفه أهل الكوفة: فكرة جميلة، ما دام لا يقترب من حياتنا كثيرًا. ونجهله كما جهلوه حين يتحول إلى كلفة.
لهذا، يبقى السؤال مفتوحًا، لا بوصفه سؤالًا تاريخيًا، بل بوصفه سؤالًا شخصيًا ومعاصرًا: ما الذي كان يعرفه مسلم، ولا نعرفه نحن؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يُبقي مسلم بن عقيل حيًا، وأن يجعل الكوفة قابلة للتكرار في كل زمان.

نعم
هل اعجبك المقال
مواضيع اخرى للناشر

وما تنكرون من هذا الحديث