سماءٌ بلا أقفال: هل تحمي "البيانات" العراق من صواريخ "الأمر الواقع"؟
المقدمة: التيه بين النص والمنهج
في عصر "انفجار المعلومات"، قد يفتح القارئ المثقف المصحف الشريف باحثاً عن الطمأنينة أو الحقيقة، لكنه سرعان ما يصطدم بنوع من "الدوار الوجودي"؛ آيات يراها محكمة الوضوح، وأخرى يكتنفها غموضٌ ظاهري أو يبدو بينها تعارضٌ يحار فيه العقل. هذا الارتباك ليس نقصاً في النص الإلهي المطلق، بل هو ثمرة لمحاولة القراءة "المستقلة" التي تفتقد للبوصلة. فهل يكفي النص وحده ليكون مرشداً، أم أن للوحي "شفرة" لا يمتلكها إلا من خوطبوا به أصالة؟ إن الإشكالية تكمن في الخلط بين امتلاك "الدليل" وبين امتلاك "أدوات استنطاقه".
١- المفتاح الأول: مَن يملك خارطة الطريق للخطاب الإلهي؟
يُروج البعض لفكرة أن فهم القرآن هو عملية لسانية بحتة، متاحة لكل من أتقن لغة العرب. لكن المنهج الأصيل يرى أن القرآن "رسالة" تتطلب معرفة بـ "خلفية الخطاب". فأهل البيت (ع) ليسوا مجرد مفسرين من خارج النص، بل هم شركاء الوحي والمخاطبون الأوائل الذين يدركون مقاصده العميقة.
في حوارٍ يفيض بالدلالات، يسأل الإمام الباقر (ع) قتادة عمن يخرج من بيته بزادٍ وراحلة وكراءٍ حلال يروم البيت الحرام، موضحاً أن قبول العمل مشروط بـ "معرفة الحق"، ثم يضع القاعدة الذهبية التي تهدم غرور الاستقلال بالفهم:
«ويحك يا قتادة، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة... إنما يعرف القرآن من خوطب به»(الكافي 8/311).
٢- المحكم والمتشابه: هندسة إلهية لا ذوق بشري
يعتقد البعض أن تصنيف الآيات إلى "محكم" و"متشابه" يخضع لذكاء القارئ أو ذوقه اللغوي. والحقيقة أن هذا التصنيف هو "نظام تشغيل" إلهي يضبط حركة الفهم:
• المحكم: هو النص الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، يُفهم مراده بوضوح يشترك فيه العربي والعجمي (عند الترجمة) دون اضطراب، ويُعمل به مباشرة كأصل موضوعي؛ مثل وجوب العدل، وتحريم الظلم، وأصول العبادات.
• المتشابه: هو النص الذي يوهم ظاهره معنىً يصطدم مع العقل القطعي أو الأصول القرآنية الثابتة. ومن أمثلته آيات "التجسيم" التي توهم شبهاً بين الخالق والمخلوق، أو آيات "الجبر والاختيار" التي قد تُفهم على غير وجهها. هنا، لا يمكن النجاة من التيه إلا بردّ المتشابه إلى المحكم، أو بالاعتصام ببيان المعصوم.
٣- مفارقة الاستدلال: لماذا لا يعني امتلاك "الدليل" الاستغناء عن "الدال"؟
ثمة سؤال محوري يطرحه العقل الباحث: "إذا كنا نحتاج للمعصوم في كل شيء، فلماذا نستدل بالقرآن مباشرة في حواراتنا؟". الإجابة تكمن في التمييز الدقيق بين الاستدلال والاستقلال. نحن نستدل بالقرآن، لكننا لا نستقل بفهمه عن بيان العترة. إننا نتحرك في "الفضاء المعرفي" والقواعد المنهجية التي أرساها أهل البيت (ع). فحتى لو لم نحضر نصاً روائياً في كل واقعة، فإننا نعتمد على "الضابطة" التي علموها لنا للتمييز بين الوهم والحقيقة. الاستدلال هو استخدام للدليل الإلهي، أما الاستقلال فهو زعم الاستغناء عن "المبين" الذي عينه الله بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
٤- نهاية خط البيان: لماذا لا يحتاج حديثهم إلى مفسّر؟
حين نقول إن القرآن يحتاج لبيان المعصوم، قد يتساءل البعض: "وهل يحتاج حديث المعصوم إلى مفسر أيضاً؟". هذا التساؤل يتلاشى حين ندرك أن قول أهل البيت (ع) هو "البيان النهائي"؛ فهم ليسوا مجتهدين يطرحون آراءً بشرية تحتمل الخطأ، بل كلامهم هو الامتداد الوجودي للوحي. هم لا يفتون برأيهم، بل كما قال الإمام الصادق (ع): «هي آثار من رسول الله (ص)، أصل علم نتوارثها كابر عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم».
ولترسيخ هذه المرجعية المطلقة، يوضح الإمام الصادق (ع) وحدة المصدر وأصالة الحجية بقوله:
«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجل». وبصيغة أكثر عمقاً وشمولاً: «نحن حجج الله على خلقه، وجدّتنا فاطمة حجّة الله علينا». الكافي الشريف - الجزء 1 - الصفحة 53.
٥- القرآن الصامت والقرآن الناطق
تتجلى العلاقة بين الكتاب والعترة في ثنائية "الصمت والنطق". القرآن بين الدفتين نص إلهي عظيم، لكنه "صامت" لا يدافع عن نفسه ضد التأويلات المنحرفة، ولا يفصح عن تفاصيله إلا عبر "قيّم" عليه يستخرجه من صمته.
هذا ما أكده الإمام علي (ع) في منهجه العملي حين قال:
«ذلك القرآن، فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أُخبركم عنه» . نهج البلاغة: 223 / 158.
فالقرآن هو الدستور، وأهل البيت هم "القرآن الناطق" الذي يحول النص من حبرٍ على ورق إلى منهج حياة نابض، وهما "الثقلان" اللذان لا يفترقان في الوجود ولا في الحجية حتى يردا الحوض.
الخاتمة: المنهج في جملة
إن الخلاصة المنهجية التي تحفظ للعقل توازنه وللإيمان أصالته هي: "نستدل بالقرآن ولا نستقل عن بيانه، ونأخذ بالسنة ونزنها بميزان العترة". إن محاولة عزل القرآن الكريم عن "المخاطبين به" هي محاولة لتعطيل روح النص وجعله عرضة للاجتهادات البشرية القاصرة.
تساؤل ختامي: إذا كان القرآن حياً لا يموت، وبحره لا يُدرك قعره، فهل تجرؤ عقولنا المحدودة بالزمان والمكان على الإبحار فيه دون التمسك "بالثقل" الذي يضمن لها النجاة من الغرق في أمواج التأويل؟
بقلم : زاهر حسين العبد الله




تقييم المقال


