حين يُختطف الدين من مقاصده، ويُحمَّل ما لا يحتمل من تأويلٍ منحرف، يولد التطرّف بوصفه أخطر أشكال العنف المقنّع.
تأتي هذه المقالة لتواجه خطاب التكفير والإرهاب بوعيٍ نقديّ شجاع، وتكشف كيف يتحوّل الفهم الديني المنغلق إلى أداة لإباحة الدم وتفكيك المجتمع.
إنها دعوة صريحة للتمييز بين جوهر الدين القائم على الرحمة والعدل، وبين الغلو الذي لا ينتج إلا الكراهية والدمار، وتأكيدٌ على أن معركة الإنسانية اليوم ليست مع النصوص، بل مع من يسيئون فهمها ويجعلون منها وقودًا للإرهاب والتطرّف.
التطرف هو الخروج عن المألوف عقائدياً، المصحوب بالغلو المظهري الشكلي في الدين مع الانعزال عن الجماعة وتكفيرها، وإباحة مواجهة الرموز الدينية والاجتماعية بالقوة، والتجاوز على الفكر والمذهب والعقيدة في الحدود المتعارف عليها، والتعصب لرأي واحد أو استنتاج خاطئ، والمبالغة في السلوك الناتج عن هذا التعصب والتطرف في الفكر.
والتعصب للرأي إلزام المسلم بالثبات الصلب، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر، والتشدد في غير محله، كالغلظة والخشونة، وسوء الظن بالناس، وعدم التسامح، والنظرية التآمرية العدوانية المثالية المؤدية إلى السقوط في هاوية التكفير.
وللتطرف دوافع متعددة، منها: سياسية ومحلية ودولية واجتماعية واقتصادية ونفسية ودينية.
وتعود مظاهر التطرف إلى بدايات الدعوة الإسلامية، والذين عرفوا بالمنافقين الذين يتركون قضايا الدين ويتعصبون إلى قضايا أخرى، ويتخذون من الدين غطاءً لهم ولأفكارهم، فأجابهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ((فمن أعرض عن سنتي؛ فهو ليس من أمتي))، وفي عهد الإمام علي (عليه السلام) ظهرت أولى الفرق المتطرفة، وهم الخوارج الذين عرفوا فيما بعد بفرق عديدة منها: الأشعرية، والظاهرية، والإباضية.
لا يلتقي الإرهاب مع الشرعية، ويرى بعض الباحثين أن هناك إرهاباً مشروعاً وإرهاباً غير مشروع، وإرهاباً مستحباً، وإرهاباً غير مستحب، ولا نعرف من أين جاء هذا؟.
الكفر كلمة مناقضة للإيمان، ولم يعرفها المسلمون إلا في مرحلة ظهور الخوارج الذين بدأ انطلاقهم بتكفير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكذلك كفروا معاوية بن أبي سفيان لاسيما بعد مسألة التحكيم في موقعة صفين، وقد سبقهم في ارتداد المنافقين والمرتدين خلال الأيام الأخيرة في حياة النبي وبداية العصر الراشدي، لكنهم جاؤوا ببدع، ولم يكفروا أحدًا.
إن ظاهرة التكفير عند الخوارج تصدت تكفيرهم السياسي، للخلفاء بل تعدتهم إلى مرتكبي الكبائر والمعاصي، وشمل تكفيرهم مرتكبي الذنوب الصغيرة عند الإصرار عليها، وعدُّوا الإصرار على الصغيرة من الكبائر، وقد اتخذوا هذه الكلمة للرعب والعنف لمَنْ يقابلهم، وقد قتل كثير من المسلمين تحت هذا العنوان، بينما كانوا يعفون عن اليهود والنصارى والمجوس، وكان المقصود منها الكفار داخل الأمة الإسلامية بل وصل الكفر إلى بعض أنبياء الله تعالى، حتى قالوا أن موسى كفر حينما سأل ربه، وعيسى كفر حين قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِِي نَفْسِِي وَلََا أَعْلَمُ مَا فِِي نَفْسِكَ إنَِّكَ أَنْتَ عَلََّّامُ الْغُيُوبِ﴾.
إن التطرّف الديني ليس نتاج النصوص، بقدر ما هو ثمرة الفهم المنغلق والتأويل المنحرف، حين يتحوّل الدين من رسالة رحمة وهداية إلى أداة إقصاء وعنف.
وقد أثبت التاريخ أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الاختلاف في الرأي، بل التعصّب له، ورفض الآخر، وتسويغ التكفير بوصفه مدخلًا للقتل والتدمير.
إن مواجهة هذا الفكر لا تكون بالقوة وحدها، بل بإحياء الوعي، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ ثقافة الحوار والاعتدال، والعودة إلى جوهر الدين الذي قام على العدل، والتسامح، وصون كرامة الإنسان. فبغير ذلك، يبقى التطرّف خطرًا متجددًا يهدد الدين والمجتمع معًا.




تقييم المقال

