البحث المتقدم

البحث المتقدم

هوس الظهور… حين يُعلن الفراغ عن نفسه

1 تقييم المقال

في زمنٍ تتسارع فيه وسائل التواصل، لم يعد النشر مجرّد وسيلة تواصل، بل تحوّل عند بعض الناس إلى حاجة يومية ملحّة، تُفرَغ فيها التفاصيل الصغيرة: أكل، لقاءات، جلسات خاصة، صور مع الآخرين، تُبثّ في القروبات والمنصات دون إذنٍ أو مراعاة، وكأن الغاية أن يُقال: أنا حاضر… أنا موجود… أنا مرئي.
غير أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام لا تتعامل مع الظواهر من سطحها، بل تنفذ إلى بواطنها؛ لأنّ السلوك عندهم لا يُفهم إلا من خلال دوافعه، لا مظاهره فقط.
قراءة في الدافع لا في الفعل
يضع القرآن الكريم قاعدة دقيقة في تشخيص هذا الباب حين يقول تعالى:
﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ (القيامة: 14).
فالإنسان في قرارة نفسه يعلم لماذا يفعل ما يفعل، وإن غلّفه بتبريرات اجتماعية أو ادّعى أنّه مجرّد مشاركة عفوية.
وفي كثير من موارد هذه الظاهرة، لا يكون الدافع حبّ التواصل بقدر ما يكون حاجةً إلى الاعتراف، ولا يكون الهدف مشاركة اللحظة بقدر ما يكون طلب الطمأنينة من الخارج بعد فقدانها في الداخل.
إنّها ليست تواصلًا بقدر ما هي تعويض نفسي، وليست حضورًا اجتماعيًا بقدر ما هي محاولة إثبات وجودٍ يشعر صاحبه أنّه مهدّد بالنسيان.
هل هو تفاعل طبيعي أم علامة خلل؟
لو كان الأمر تفاعلًا طبيعيًا، لما تحوّل إلى إلحاح دائم، ولما أُلغيت خصوصيات الآخرين،ولما أصبح الصمت عبئًا ثقيلًا لا يُحتمل.أمير المؤمنين عليه السلام يضع ميزانًا واضحًا بقوله:
«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه» (نهج البلاغة، الحكمة 81).
من عرف قيمته الحقيقية، لا يحتاج إلى إعلانها كل يوم، ومن لم يعرفها، يبحث عنها في عيون الناس، وفي تعليقاتهم، وفي تفاعلهم، وفي عدد المشاهدات والإعجابات.
الرياء بصورته المعاصرة
الرياء في مدرسة أهل البيت عليهم السلام لا يقتصر على العبادة الظاهرة، بل هو أوسع من ذلك؛ إنّه طلب المنزلة في قلوب الناس بدل طلب القبول عند الله.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
« كُلُّ رياءٍ شِرْكٌ، إنَّهُ مَنْ عَمِلَ للناسِ كانَ ثوابُهُ على الناسِ، ومَنْ عَمِلَ للهِ كانَ ثوابُهُ على الله» (بحار الأنوار، ج72، ص281).
وقد لا يكون الشرك هنا في الصلاة أو الصوم، بل في تعليق الطمأنينة على نظر الناس، والقيمة على تفاعلهم، والراحة على تصفيقهم. ولهذا شدّد القرآن على الإخلاص بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ (البينة: 5).
والإخلاص لا يعني الانسحاب من الحياة أو ترك الظهور مطلقًا، بل تحرير القصد من الحاجة إلى التصفيق، ومن الارتهان لنظرة الآخرين.
ومن هنا نفهم تحذير أمير المؤمنين عليه السلام:
«لا تقطعوا نهاركم بكذا وكذا وفعلنا كذا وكذا، فإنّ معكم حفظة يحفظون علينا وعليكم»
(تحف العقول، ص 103).
العفوية أم الفوضى الداخلية؟
كثيرون يبرّرون هذا السلوك بكونه عفويًا، لكن العفوية تُقاس بالحدود.
فإذا سقطت الحدود، لم تعد عفوية، بل تحوّلت إلى فوضى داخلية ورغبة في الظهور تُغذّي أزمة نقص لا تُجبر إلا بالمزيد من النشر.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«من كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه»
(نهج البلاغة، ج3، ص235).
ونحن اليوم أمام صورة جديدة من كثرة الكلام، كلام بالصورة، وبالمشهد، وبالدخول غير المرحّب به في حياة الآخرين.
كيف نتعامل اجتماعيًا؟
منهج أهل البيت عليهم السلام لا يقوم على الفضح ولا التشهير، ولا على المجاملة التي تُفسد النفوس.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا… واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول»
(وسائل الشيعة، ج12، ص193–194).
فلا نُغذّي هذا السلوك بالإعجاب المفرط،ولا نُواجهه بالإهانة، بل نحفظ خصوصياتنا، ونضع حدودنا بهدوء، ونتعامل بوعي لا بانفعال.
العلاج من الداخل
العلاج الحقيقي ليس تقنيًا ولا إعلاميًا، بل تربوي روحي يبدأ من الداخل.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس»
(نهج البلاغة، ج3، ص254) .
وحين يمتلئ الداخل، يهدأ الخارج تلقائيًا. ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام:
«والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه» (وسائل الشيعة، ج16، ص371)
فالتربية على الخفاء ليست حرمانًا، بل صيانة للكرامة، وليست تهميشًا، بل تحريرًا للنفس من الارتهان.
خلاصة
ليس كل من يكثر النشر متفاخرًا، ولا كل من يصمت متوازنًا، لكن حين يتحوّل النشر إلى تعويضٍ عن فراغٍ داخلي،
فهو رسالة غير معلنة عن قلقٍ أعمق. ومن عرف قدره عند الله سبحانه، خفّ احتياجه إلى الإعلان عن نفسه،
وسكن قلبه…ولو لم يره أحد.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله الطيبين الطاهرين.
✍️ زاهر حسين العبد الله

نعم
هل اعجبك المقال