قرأتُ مقولةٌ للرئيسِ الأمريكيِ والمحامي (إبراهامْ لنكولنْ) ، كانَ قدْ نشرها أحدُ الزملاءِ المحامينَ الأفاضلِ على صفحتهِ في فيسبوك، ومفادها: " أيها المحامي، اسعَ جاهدا إلى تجنيبِ الناسِ الخصوماتِ القضائيةَ ما استطعت، ووجهَ موكليكَ إلى حلِ نزاعاتهمْ وديٌ متى كانَ ذلكَ ممكنا وبينَ لهمْ أنَ المنتصرَ حكمَ ما يكون- في كثيرٍ منْ الأحيان- خاسر واقع، بما يتكبدهُ منْ رسومٍ ونفقات، وما يهدرهُ منْ وقتٍ وجهد. فالمحامي، حينُ يكونُ وسيطا وصانعا للسلام، تتجلى أمامهُ فرصةٌ عظيمةٌ ليكونَ إنسانا فاضلا، أما الرزقُ منْ العملِ المأجورِ فسيأتي منهُ ما يكفي ".
استوقفتني هذهِ المقولةِ كثيرا، وأنا أتابعُ وأقرأُ ما يحصلُ في العشراتِ منْ النماذجِ المشابهة، حينُ يتجاوزُ المحامي الجانبُ المادي، ليرتقيَ إلى البعدِ الإنساني، فلا يطيلُ أمدَ التقاضي، بلْ يسعى إلى إصلاحٍ ذاتِ البينِ بينَ الطرفينِ المتنازعين، ويعملَ على إعادةِ الأمورِ إلى مسارها الطبيعي. ففي الإسلام، كانَ القاضي قبلَ إصدارِ الحكمِ، يحرصُ على البحثِ عنْ الحلولِ السلمية، ويذكرَ الخصومُ بأهميةِ الوصولِ إلى تسويةِ قائمةٍ على التراضي والتنازلِ المتبادل، لأنَ الخصومةَ القضائيةَ كثيرا ما تخلفُ آثارا منْ الحقدِ والخصامِ والضغينةِ التي قدْ تمتدُ مدى الحياة، ولا سيما إذا كانتْ بينَ الأقاربِ أوْ الإخوةِ أوْ حتى الأصدقاء.
إنَ المحاميَ إنسان قبلَ أنْ يكونَ وكيلاً عنْ أحدِ الخصوم، فإذا سعى إلى التقريبِ بينَ المتخاصمين، وبادرَ إلى الإصلاحِ بينهمْ قبلَ الخوضِ في تفاصيلِ القضاء، فقدَ كسبُ رضا اللهِ أولا، قبلٌ رضا الأطرافِ المتخاصمة، وربحَ احترامهمْ ومحبتهم، ليغدوَ صديقا لهمْ لا ينسى على مرِ الدهر.
وفي المقابل، هناكَ منْ المحامينَ منْ يسعى إلى تضخيمِ القضايا، ويبحثَ عنْ تشعبِ الخلافاتِ وفتحِ ملفاتٍ متعددةٍ بدافعَ مالي، فيحولُ نزاعٌ بسيطٌ إلى معركةٍ طاحنة، أشبهَ بحربِ البسوس، مدمرا موكلهُ قبلَ خصمه. فقدٌ تبدأُ القضيةُ بدعوى مدنيةٍ واحدة، ثمَ تتحولُ بفنونِ المحامي إلى عشراتِ الدعاوى المدنيةِ والجزائية، وربما تتطورُ الخصومةُ منْ إطارها القانونيِ والقضائيِ إلى عداوةِ شخصيةٍ معَ المحامي نفسه، فيغدو الأخيرُ ليسَ مجردٌ وكيل، بلْ خصما وعدوا.
وفي النهايةِ تحلُ وتفصلُ عشائريا وليسَ قضائيا، وقدْ يتعرضُ المحامي نتيجةُ ذلكَ في تضخيمِ مشاكلَ المتخاصمينِ إلى المضايقاتِ أوْ التهديد، وتاريخنا الحديثُ زاخرٌ بقصصِ محامينَ دفعوا حياتهمْ ثمنا لهذهِ المهنةِ الشاقةِ والثمينة، التي جوهرها رفعَ الظلمِ وإعادةِ الحق، لا التنكيلُ بالخصم، فيما لمْ يكلفْ بهِ المحامي أخلاقيا أوْ إنسانيا.
في عامِ 2021، خرجتْ منْ الوظيفةِ متقاعدا، فأعدت نفسي إلى سلك المحاماة الذي تركته عشرون عاما، فوكلني أحدَ جيراننا بمتابعةِ دعوى، كانَ خصمهُ فيها، زوجتهُ التي تطالبُ بالطلاقِ والنفقةِ وغيرها، نتيجةُ خلافاتٍ أسريةٍ سببها سكنهُ معَ أهله. وعندما التقيتُ بالزوجِة في بابِ المحكمة، وكانتْ برفقةِ والديها وتحملِ طفلها الذي لمْ يتجاوزْ العامُ الواحدُ على كتفها، نظرتْ إلى المشهدِ منْ بابٍ ثان، واستوقفتْ كثيرا؛ أينَ تذهبُ هذهِ البنتِ المطلقةِ الصغيرة أنْ فقدتْ أبويها؟ كيفَ يتربى هذا الطفلِ بعيدا عنْ والده؟
لقد المنيّ المشهدِ كثيرا جلستْ معَ الطرفينِ ومعَ موكلي، وتبينَ لي أنَ سببَ الخلافِ الرئيسِ هوَ رغبةُ الزوجِ في الاستقلالِ بسكنٍ خاص، وهوَ مطلبُ مشروعٍ ومعروفٍ لتجنبِ مشاكلِ الحماةِ والعمة. وكانَ لي آنذاكَ بنايةً قريبةً منْ دارهم، فيها شقةٌ فارغة مجاناً، فبادرتْ إلى إسكانهما فيها بعدا أنَ أصلحتْ ذاتَ بينهما، وتنازلتْ عنْ أتعابِ المحاماة. ولاحقا، استأجر الزوجُ مسكنا صغيرا، وعادتْ الحياةُ الزوجيةُ إلى مجراها الطبيعي، واجتمعَ شملُ الأسرة- منْ جديد- .
كمٌ كانتْ سعادتي غامرةً حينَ أسهمتْ في إعادةِ بناءِ بيتٍ صغيرٍ يحتضنُ شابا وزوجتهُ وطفلهما؛ فهنا تتقدم الإنسانيةُ على أتعابِ المحاماة، وتسمو الرسالةُ فوقَ حدودِ المهنة. وفي تلكَ اللحظةِ استحضرتْ قولَ الإمامْ علي بنْ أبي طالبْ (ع ) : أطفئوا الفتنُ بما أمكنكمْ منْ السكينة، وقولَ اللهِ سبحانهُ وتعالى: (لا خير في كثيرٍ منْ نجواهمْ إلا منْ أمرٍ بصدقةٍ أوْ معروفٍ أوْ إصلاحِ بينَ الناس) النساء: 114.
هنا تتجلى إنسانيةً المحامي الحقة؛ حينَ يتغلبُ جانبَ الإصلاحِ بينَ الخصوم، بروحهِ الإنسانية، على الجانبِ الماليِ المتعلقِ بأتعابِ المحاماة. فالرزقُ بيدِ الله- سبحانهُ وتعالى- وحده، كما قال- عزَ وجل- في كتابهِ الكريم: (وفي السماءِ رزقكمْ وما توعدون، فروبُ السماءِ والأرضِ إنهُ لحقَ مثلاً ما أنكمْ تنطقون) الذاريات: 22 – 23.




تقييم المقال

