البحث المتقدم

البحث المتقدم

الاستشراف الزينبي الخالد -٢-

0 تقييم المقال

 

   بعد بيان ما يتعلق بذلك الاستشراف الزينبي في الحلقة الأولى السابقة المتعلقة بشموخ قبر الإمام الحسين (عليه السلام) على مَرِّ الدهور، وبقائه كعبة للزائرين، وهلاك الطغاة الذين حاربوا ذلك القبر بكُلِّ جبروتهم، وأذاقوا الزائرين الويل والعذاب ولكن خسئت شعاراتهم ومناهجهم، ننتقل في الحلقة للحديث بإيجاز عن موقف ثان من مواقف ذلك الاستشراف الذي لا يمكن إنكاره، أو إنكار آثاره العظيمة كما أخبرت عقيلة الهاشميين يومذاك.

 *الثاني : خلود النهضة الحسينية وهلاك أعدائها.

     فقد روي في حديث طويل من خطبة السيدة زينب (عليها السلام) أمام يزيد اللعين وحاشيته في الشام وهي أسيرة بني أمية، ومثقلة بجراح شهداء عاشوراء، وهموم النساء والأطفال وشماتة الأعداء قولها بإباء قومها وعنفوانهم: ((فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وناصِبْ جهدَكَ، فواللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تميتُ وَحْيَنا، ولا تُدْرِكْ أمَدَنا، ولا تَرْحَضْ عنكَ عارَهَا، وهل رأيُكَ إلَّا فَنَدٌ، وأيامُكَ إلَّا عَدَدٌ، وجَمْعُكَ إلَّا بَدَدٌ ..)).

     إنَّ هذا القول في ظاهره مجموعة كلمات عربية تحمل معانٍ معيَّنةٍ يفهمها العربي، ويسمعها المخاطَب ويتأمل فيها، ويستهزىء بها الشامي الأموي بأنها كلمات امرأة أسيرة مقهورة!!

     بل هو في حقيقته ثورة حسنية جديدة تقرع قصر يزيد الطغاة، وتهزُّ عرش الحكم والسلطة، وتدعو العالم أنْ يسمع صرختها، صرخة الحق ((وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)) [الإسراء: ٨١] نعم لقد جاءت صرخة الحق الزينبي العلوي بوجه الكيد والسعي اليزيدي الأموي، فعنَّفته أولًا، ووعدته ثانيًا، وهدَّدته ثالثًا، وكل ذلك في آنٍ واحدٍ وهي هي وما عليه!! وهو هو وما عليه!! فكان كُلُّ ذلك قد تحقق باستشرافه لواقع الطغاة، ويقينها بوعد مُهلك الطغاة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) [محمد: ٧]

     فكان التعنيف الزينبي في الأمور الثلاثة الآتية:

1- الكيد الأموي.

2- السعي الأموي.

3- الجهد الأموي.

     وقد سخَّر بنو أمية (المال والرجال والإعلام) من أجل أنْ يشوِّهوا صورة النهضة الحسينية الخالدة بكُلِّ ما أوتوا من قوة في ذلك، فلم يستطيعوا أنْ يغيِّروا حقيقة ما قاموا به من سفك دماء ذرية رسول الله!!

     ولم يؤمن بنظرية ولاية السلطان الجائر إلَّا الذين في قلوبهم مرض أمثالهم أو الجهلاء!!

     ولم تبق نشوة نصرهم التي كتبتها أقلام المرتزقة تتحدث عن أيامهم الخالية!!

     وهيهات أنْ يهتدوا إلى ذلك، فلقد بقيت كربلاء الحسين نبراس الأحرار، وجذوة الثوار، فخاب (الكيد والسعي والجهد)!!

     يقول العقاد عباس محمود في إحدى صفحات روائعه: ((وبقيتِ الجُثَثُ حيثُ نبذوهَا بالعرَاءِ تَسْفِي عليها الصَّبا، فهي اليومَ مزارٌ يطيفُ به المسلمونَ مُتَّفِقينَ ومُخْتَلِفينَ، ومِنْ حَقِّه أنْ يطيفَ به كُلُّ إنسانٍ؛ لأنَّهُ عنوانٌ قائِمٌ لأقْدَسَ ما يُشَرَّفُ بهِ هذا الحَيُّ الآدمِيُّ بينَ سائرِ الأحياءِ، فما أظلَّت قُبَّةُ السماءِ مكانًا لشهيدٍ قط هو أشرفُ من تلكَ القِبابِ بما حَوَتْهُ من معنى الشهادةِ وذكرى الشهداءِ)).

   نعم .. أيُّها (العقادُ) إنَّه حق لكُلِّ إنسان يعرف معنى لفظ الإنسانية ومغزاه أنْ يطوف حول شعارات النهضة الحسينية ويتَّخذها نبراسًا للحرية الإنسانية بوجه عبودية الطغاة!!

   نعم .. أيُّها (التاريخ) إنَّه صوت التحدِّي الزينبي لطاغية عصرِها يزيد وطغاة كُلِّ العصور الذين يواجهون النهضة الحسينية ورجالها الصادقين!!

   نعم .. أيها (الأحرار) إنَّه الاستشراف الزينبي الخالد الذي لن يخيب أبدًا ما دام للحق ناصر ومعين!! والسلام

(وللحديث تتمة)

نعم
هل اعجبك المقال