البحث المتقدم

البحث المتقدم

قانون الاستبدال الإلهي

0 تقييم المقال

 

 يُستبدل قوم ويُرفع آخرون بما تراه المشيئة الإلهية بنظام دقيق خاضع لأعلى درجات الرحمة السماوية من جهة، والصرامة والحزم من جهة ثانية من دون استثناء حتى الأنبياء (سلام الله عليهم) لهم نصيب من هذا القانون وحصة، فنبي الله يوسف (عليه السلام) بعد لقائه بيعقوب أراد أن يخبر والده بالمكانة العزيزة التي وصل إليها، وأن يُري والده سلطانه وملكه؛ فتأخّر عن النزول لاستقبال يعقوب، فأتاه جبرائيل (عليه السلام) وأخرج من يده نورًا – نور النبوة من ذريته –؛ بسبب موقف. كذلك نبي الله يونس (عليه السلام) الذي دعا على قومه لما رأى منهم الظلم وعدم الانصياع لحكم الله (عزّ وجل)، فكان جزاؤه أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يُبعثون، لولا إنه كان من المسبحين.

فقانون الاستبدال عند الله تعالى لا يعرف الاستثناء، ولا يفرق بين نبي وإنسان عادي كل حسب مكانته واختباره المناسب، وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى؛ أن القرب من الله تعالى ليس حصانة دائمة، بل مسؤولية متجددة، وأن الامتحان يشتد كلما علت المنزلة وعظم المقام.

المجتمعات خاضعة كذلك لهذا القانون الإلهي؛ فيقول تعالى في الآية (38) من سورة محمد: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، وحين تلا رسول الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله) تلا هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولَّينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا، فضرب على فخذ سلمان قال: "هَذَا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ كانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتنَاولَهُ رِجالٌ مِنَ الفُرْسِ".

لذلك يجب على الإنسان أن لا يركن إلى الطمأنينة بما قدم أو لمن ينتمي؛ فهو ليس بمأمن من عثرات الدنيا وتقلبات القلوب، وأن يسأل الله تعالى الهداية على نحو الاستمرارية، كما دعا الإمام الصادق (عليه السلام): «اللّهُمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالاَبْصارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينكَ، وَلا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي»، واعتبر (عليه السلام) ان هذا الدعاء ينجي من الضلال في زمن الغيبة، خاصة ونحن قد أصبحنا في زمن «لا يَزْدَادُ الْـخَيْرُ فِيهِ إلَّا إِدْبَاراً، وَالشَّرُّ إلَّا إِقْبَالاً، وَالشَّيْطَانُ فِي هَلاَكِ النَّاسِ إلَّا طَمَعاً، فَهذا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ» الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة خطبة (129).

النبي محمد (صلى الله عليه وآله) نموذج النجاة من قانون الاستبدال؛ فالأخلاق العظيمة والسجايا الحميدة التي تمتع بها خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ودعاؤه في جميع مواقفه بالهداية والصلاح لأعدائه على الرغم من الألم والجراحات كما قال: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون» بعد واقعة أحد وهو نجاح منقطع النظير يرمز الى سمو ورفعة الحبيب محمد (صلى الله عليه وآله) في تعامله مع أعدائه، ومن أقدموا على أذيته، ومحاربتهم للرسالة السماوية الإسلامية، كذلك ادراكاً منه (صلوات الله عليه وعلى آله) أن الخلق عيال الله وعباده من جهة؛ فلا ينبغي الدعاء عليه؛ ففي الخطبة (140) للإمام علي (عليه السلام) ينهى عن عيب الناس يقول فيها: «إِنَّمَا يَنْبَغِي لاَِهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْـمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلاَمَةِ – أي السلامة من الذنوب –  أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْـمَعْصِيَةِ، وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَالْـحَاجِزَ لَـهُمْ عَنْهُمْ»، ومن جهة ثانية أن وظيفته الرئيسية هي الهدايا بالحكمة والموعظة الحسنة حتى آخر لحظة من عمره المبارك من دون جزع وملل.

 

نعم
هل اعجبك المقال