الكَظْم في اللغة يعني الإمساك والجمع؛ فيُقال: كظم الرجل غيظه، أي ابتلع غضبه وأمسك عنه، فلم يُظهره ولم ينفلت به. وكأنّ الكاظم يجمع الغيظ في جوفه، فيحبسه ويضبطه، لا ضعفًا ولا عجزًا، بل وعيًا وإرادةً وسيطرةً على الانفعال.
تُعدّ فترة إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام من أشدّ المراحل قسوةً وبطشًا في تاريخ الدولة العباسية؛ إذ تحوّل الانتماء إلى أهل البيت عليهم السلام إلى جريمة سياسية، يُتقرب بها الموالون إلى البلاط العباسي عبر تعذيب كل من يُظفر به من محبّي الأئمة. وتذكر المصادر التاريخية أن بغداد، بكل ما عُرف عنها من عمران وزينة، شُيّدت وأسوارها وقصورها على جماجم وجثث آلاف العلويين، في واحدة من أبشع صور الإقصاء المنهجي.
أسّس الإمام الكاظم عليه السلام في ضل هذا السياق القاتم، ما يمكن تسميته – بلغة السياسة المعاصرة – بالصبر الاستراتيجي، وهو: الامتناع الواعي والمؤقت عن الردّ المباشر، ومعرفة متى يُصمت ومتى يُتكلم، ومتى يُجمَد الفعل ومتى يُحرَّك. وهذا النمط من الصبر لا يُمثّل عجزًا، بل هو إدارة ذكية للصراع، تهدف إلى تغيير ميزان القوى على المدى البعيد، عبر خفض التصعيد المتعمّد، ورفع الكلفة الأخلاقية والسياسية على الخصم، فدور الإمام لم يكن المواجهة العسكرية، بل حماية العقيدة من الذوبان، وترسيخ مفهوم الهوية الشيعية في زمن الاستئصال.
اذ كانت مهمة إمامة الإمام الكاظم عليه السلام – التي امتدّت قرابة خمسةٍ وثلاثين عامًا – شاقّةً ومكلفةً للغاية. فقد كان الإمام مطالبًا، أولًا، بالحفاظ على حياة الإمام الذي سيخلفه، وحماية القاعدة الجماهيرية الشيعية من الإبادة، مع العمل في الوقت نفسه على توسيع رقعتها. كما واجه الإمام ما يمكن تسميته بـ الفجور الثقافي العباسي، الذي سُمّي زورًا وبهتانًا بـ«العصر الذهبي»، بينما كان في حقيقته عصر انفتاح أخلاقي مفرط، وذوبان قيمي، وتداخل غير منضبط مع حضارات ومذاهب مناقضة للدين، وهو مشهدٌ يشبه – إلى حدٍّ بعيد – ما نعيشه اليوم من غزوٍ ثقافي عالمي عبر شبكات الإنترنت.
ثانيًا: عمل الإمام على تهيئة الشيعة وإعداد قواهم للإمام القادم، ومنعهم من الوقوع في فخ الاستنزاف عبر صدامات غير متكافئة، كانت ستُتخذ ذريعة لاجتثاثهم بالكامل، وهو بالضبط ما كان يسعى إليه العباسيون.
ثالثًا: أنشأ الإمام ما يمكن وصفه بـ جهاز الغيبة المؤقتة؛ وهو جهاز سياسي–اجتماعي شبكي سرّي، يتواصل من خلاله الإمام مع شيعته، يتفقد أحوالهم، ويقضي حوائجهم، عبر شبكة واسعة من الوكلاء، تقوم على أسس تربوية وأخلاقية ومالية محكمة، شكّلت نواة التنظيم الشيعي اللاحق.
رابعًا: سعى الإمام الكاظم عليه السلام إلى الترسيخ الفكري الواعي للقضايا الدينية، بعيدًا عن العاطفة والانفعال، ولا سيّما في ظل انتشار التيارات الفكرية المنحرفة آنذاك، كالقدرية والمرجئة والخوارج، فواجهها بالحجة العميقة والدليل الرصين، لا بالخطاب السطحي ولا بردود الفعل الانفعالية.
ان الإمام الكاظم عليه السلام، كان يريد أن يعلّم أمته، أن النصر قد لا يكون آنيًا، لكنه يتحقق بالبقاء والاستمرار، وإن كان البناء بعيد المدى. فحوّل التشيّع من حركةٍ ملاحَقةٍ خائفة، إلى مدرسة وعي وصبر وتنظيم واستمرارية، وبعبارة أخرى: لم ينهض الإمام الكاظم عليه السلام بالشيعة ليحكموا، بل ليبقوا, ومن بقاء الوعي يولد النصر.




تقييم المقال


