كتب أحدهم متسائلًا – أو بالأحرى معترضًا – عن سبب إصرار بعض المنتجين على تقديم مسلسلات رمضانية تتناول الحقبة السابقة، حقبة البعث تحديدًا، متذرعًا بأن العراق ليس بحاجة إلى “البكاء واللطم والعويل”، ولا إلى استحضار ما يسميه “الزمن الأغبر”، إذ إنها – بحسب رأيه – مرحلة طواها الزمن وانقضت بما لها وما عليها.
وصاحب هذا الرأي يعرّف نفسه بلقب “مؤلف”، كما يظهر في صفحته الشخصية على مواقع التواصل، بما يوحي أنه يمارس الكتابة وينتسب إليها. وقد مضى في حديثه منتقدًا عمل الكاتب العراقي حامد المالكي في مسلسله (اسمي حسن)، الذي تناول قصة الطلبة الذين أُعدموا في بغداد إبّان الحكم الدكتاتوري، إثر كتابة أحدهم عبارة “يسقط صدام” على جدار القاعة الدراسية.
هذا “المؤلف” بدا ناقمًا على إنتاج أعمال تستعيد تلك المرحلة، بل اتهم كتّابنا بالعجز عن كتابة نصوص تلامس الواقع الراهن وتعالج قضاياه. غير أن اللافت في هذا الطرح أنه، بلغة تبدو هادئة في ظاهرها، يسعى إلى إفراغ الذاكرة العراقية من واحدة من أهم مراحلها التاريخية، وكأن تلك الحقبة يمكن اختزالها في شخص، أو محوها بمجرد الرغبة في تجاوزها.
إن صدام – أو أي اسم آخر – ليس مجرد فرد، بل هو عنوان لمرحلة تاريخية كاملة عاشها العراق، مرحلة ينبغي ألا تُنسى ولا يُتغافل عنها، لأنها جزء من الوعي الجمعي للأمة. ومن حق الأجيال أن تطّلع عليها، وأن تُوثّق فنيًا وأدبيًا، عبر الأفلام والمسلسلات، بوصفها مادة تاريخية ثرية بالأحداث والتحولات التي شكّلت ملامح المجتمع العراقي.
بل إن استحضار تلك المرحلة يمنح الجيل الجديد جرعة من الوعي، لا سيما في ظل تنامي تصورات مثالية عن الماضي لدى بعضهم، ممن بدأ يصف تلك الحقبة بـ“الزمن الجميل”، دون إدراكٍ كامل لحقيقتها وتعقيداتها.
ومن المفارقات أن دولًا عديدة، كتركيا وإيران ومصر، لا تزال تنتج أعمالًا فنية تستعيد مراحل مفصلية من تاريخها: من حروبها إلى عهود سلاطينها وملوكها وثوراتها. فهل يُعدّ ذلك اجترارًا للماضي، أم توثيقًا له وربطًا واعيًا بينه وبين الحاضر؟
لو سرنا على منطق إهمال الماضي لأنه (أكل الدهر عليه وشرب)، لما أُنتجت أعمال تاريخية خالدة، ولما رأت النور أفلام ومسلسلات تناولت شخصيات وأحداثًا صنعت التاريخ. إن الفن ليس ترفًا عابرًا، بل أداة توثيق وتأمل وإعادة قراءة.
ثم إننا نعيش في زمن يتراجع فيه حضور الكتاب المقروء لدى شريحة واسعة من الشباب، ليحلّ محلّه المشهد المرئي. والتلفزيون والسينما اليوم من أقوى الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي، ومن ثم فإن الأعمال الدرامية التاريخية تؤدي دورًا تثقيفيًا لا يقل أهمية عن دور الكتب والمراجع.
إن الاختلاف في الرأي مشروع، لكن اختزال التاريخ، أو الدعوة إلى تجاهله بحجة الانشغال بالحاضر، ينطوي على قدر من التبسيط لا يليق بمن يتصدر للكتابة ويعرّف نفسه بـ(المؤلف). فالمجتمعات التي لا تواجه ماضيها بوعي، ولا توثّقه بصدق، تظل عرضة لإعادة إنتاج أخطائه، أو الوقوع في أوهام تجميله.




تقييم المقال
