حديث النبي الأعظم الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
«حُسَيْنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» بحار الأنوار، ج 43، ص 271.
ليس هذا الحديث جملةً عاطفية، بل نصٌّ عقديٌّ ودلاليٌّ عميق، يحمل أكثر من مستوى في الفهم والمعنى. ويمكن بيان دلالاته في المحاور الآتية:
أولًا: الدلالة النَّسَبِيَّة والوجودية
كلمة النبي الأعظم محمد (ص): «حُسَيْنٌ مِنِّي»
تدلّ على:
* انتماء الإمام الحسين عليه السلام إلى رسول الله (ص) انتماءً وجوديًّا، لا يقتصر على النسب، بل يشمل الروح والرسالة.
* الإمام الحسين (ع) امتدادٌ طاهر لذات النبي الأعظم (ص) في القيم والأخلاق والوظيفة الإلهية.
وهذا ينسجم مع كونه سبط النبي وريحانته، لكن النصّ يتجاوز القرابة البيولوجية إلى وحدة الهوية الرسالية.
ثانيًا: الدلالة الرسالية والعكسية (وهي الأخطر)
حينما يقول النبي الأعظم محمد (ص): «وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ»
فهذه الجملة هي لبّ الحديث، وتفيد أن:
* بقاء رسالة النبي الأعظم محمد (ص) واستمرارها العملي في الأمة ارتبط بموقف الإمام الحسين عليه السلام في رفض الباطل، والصمود على الحق الذي رسم خطوطه جدّه الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، ولو كان الثمن حياته المقدسة.
* الإسلام الذي بلّغه النبي حُفِظ من التحريف والاندثار بثورة الإمام الحسين عليه السلام وموقفه في كربلاء.
أي أن:
النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو مؤسِّس الرسالة، والإمام الحسين عليه السلام هو حارسها التاريخي والأخلاقي.
ولهذا قال العلماء:
الإسلام محمديُّ الوجود، حسينيُّ البقاء.
ثالثًا: الدلالة العقدية (موقع الإمام الحسين (ع) من الإيمان)
قوله (ص): «أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا»
وهنا لا يتكلم الحديث عن عاطفةٍ مجردة، ولا عن ميل أبوةٍ وبنوةٍ متوارثة، بل عن:
* محبة ذات مضمون إيماني خاص، أي محبة موقف ومنهج يُحتذى به، وطريق حقٍّ يُقصَد، ومن تركه هلك.
* أن حب الإمام الحسين (ع) علامة قبولٍ إلهي؛ لأنه حبٌّ للحق الذي مثّله، والمسلك النبوي الذي نهجه، وإيمانٌ بالله الواحد سبحانه وتعالى.
فمحبة الإمام الحسين عليه السلام ليست دمعةً بلا وعي، ولا شعارًا بلا التزام، بل هي ميلٌ أخلاقي للعدل، ورفضٌ للظلم، وولاءٌ لخط النبوة في مواجهة الانحراف.
رابعًا: الدلالة السياسية – الأخلاقية
الحديث يرسم خطًّا فاصلًا في الأمة:
* خط النبي الأعظم محمد (ص) والإمام الحسين عليه السلام، المتمثل في العدل، والإصلاح، وحفظ كرامة الإنسان، ومقاومة الاستبداد والاستعباد، خط الحرية والعبودية المحضة لله سبحانه، لا للسلطان الحاكم.
* وخط من ناوأ وحارب الإمام الحسين (ع)، وهو بالضرورة خطٌّ ناوأ وحارب روح النبوة، ولو انتسب شكليًّا للإسلام ولبس شعاره.
ولهذا فالموقف من الإمام الحسين عليه السلام ليس حدثًا تاريخيًا عابرًا مضى وانتهى، بل هو معيارٌ دائم لفرز الوعي والموقف الصادق، الذي رسمه النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
خامسًا: الدلالة المستمرة عبر الزمن
المتأمل في هذا الحديث بعين البصيرة والتدبر يجد الخلود في طيّاته؛ إذ لم يُقَل لزمنه فقط، خصوصًا وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاله مخاطبًا الإمام الحسين عليه السلام وهو ابن خمس سنوات، ليحمل دلالةً عميقةً موغلةً في الزمن.
فهو يخاطب كل جيل يصل إليه هذا الخطاب، ويضع معيار النجاة في اتباع منهج الإمام الحسين عليه السلام، ويُظهر الضلال في مخالفة هذا الخط والمنهج النبوي. لماذا؟
لأن في كل زمان يوجد:
* يزيدٌ جديد يمثل المعارضة لتعاليم الإسلام وهدي النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
* وخطٌّ حسينيٌّ جديد يمثل الإمام الحسين (ع)، يحمل الإباء والشجاعة والأصالة في موقفه وثباته أمام الظلم.
كما قال الإمام الحسين عليه السلام كلمته المدوية:
«ألا وإنّ الدعيَّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السِّلة والذلة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 45، ص 83.
فهذا تعبير عن رفضه القاطع للذلة والهوان، وتأكيدا على أن الله ورسوله والمؤمنين يرفضون أن يُؤثِروا طاعة اللئام على الموت بعزٍّ وكرامة، وهو مبدأ عزٍّ وشرفٍ إسلامي أصيل، تجسّد في موقفه يوم عاشوراء، حين خُيِّر بين الذل والسيف، فاختار الشهادة.
خلاصة مركّزة
* حسينٌ مني: وحدة الرسالة والطهارة والامتداد النبوي.
* وأنا من حسين: بقاء الإسلام بدم الإمام الحسين ومواقفه الشجاعة.
* أحبَّ الله من أحبَّ حسينًا: محبة واعية للحق، لا حياد فيها.
ومن هنا نفهم لماذا كان الإمام الحسين عليه السلام قضيةً لا تُطوى، وجرحًا لا يندمل، وميزانًا لا يسقط، وطريقَ حقٍّ لا ينتهي أثره عبر الدهور والأزمان.
ونختم بقول فخر المخدرات زينب الكبرى عليها السلام في موقفها الخالد:
«فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوَالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين».بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 45، ص 135.
فالسلام عليك يا سيدي ويا مولاي ابن مولاي، يوم وُلدت، ويوم تُستشهد، ويوم تُبعث حيًّا،
والحمد لله رب العالمين.
زاهر حسين العبد الله .




تقييم المقال

