هاشم الصفار
وأنا أتصفح بعض القصص المتعلقة بالنجاح والثراء الحقيقيين، استوقفتني قصة عن معنى هذا المفهوم، وكيف أن بعض الناس مع حياتهم البسيطة، يعيشون السعادة الحقيقية، يعيشون المفهوم الحقيقي للنجاح والثراء، تقول القصة:
كان الصيادون يخرجون إلى البحر فجراً في قواربهم الخشبية البسيطة. يصطادون ما يكفي حاجة عائلاتهم وبيوتهم، ويعودون في الظهيرة ليرتاحوا، ويلعبوا مع أطفالهم، ويتسامروا في المساء تحت ضوء القمر. في أحد الأيام، زار القرية خبير اقتصادي شاب قادم من المدينة. وقف على الشاطئ وشاهد صياداً يدعى "سعيد" يربط قاربه بعد أن اصطاد بضع سمكات كبيرة. اقترب الخبير من سعيد وقال له: "يا صديقي، لماذا تعود مبكراً؟ سمكك ممتاز، لو بقيت في البحر حتى المساء لاصطدت ثلاثة أضعاف هذه الكمية!". سأل سعيد بفضول: "وماذا سأفعل بكل هذا السمك؟" ردّ الخبير بحماس: "تبيعه في المدينة وتجني مالاً وفيراً!". سأل سعيد: "وماذا بعد ذلك؟". أجاب الخبير: "بالمال، تشتري قارب صيد كبيراً بمحرك، وتوظف صيادين يعملون لحسابك، فتتضاعف أرباحك!". سأل سعيد مجدداً ببرود: "وماذا بعد ذلك؟". تابع الخبير وعيناه تلمعان: "تؤسس شركة لتعليب الأسماك، وتفتح مكتباً في العاصمة، وتصبح رجل أعمال ثرياً جداً يدير ملايين الدولارات!". سأل سعيد للمرة الأخيرة: "وكم يستغرق كل هذا من الوقت؟". قال الخبير: "حوالي عشرين أو خمسة وعشرين عاماً من العمل الشاق ليل نهار". سأل سعيد: "وماذا سأفعل بعد تلك العشرين عاماً؟". ضحك الخبير وقال: "حينها ستتقاعد، وتأتي لتعيش في قرية ساحلية هادئة، وتستيقظ فجراً لتصطاد بضع سمكات، ثم تعود لترتاح في الظهيرة، وتلعب مع أطفالك، وتقضي المساء مع أصدقائك!". ابتسم سعيد وقال له بهدوء: "ولكنني أفعل كل هذا الآن بالفعل من دون الحاجة لخسارة عشرين عاماً من عمري في الشقاء". غادر الخبير القرية وهو يفكر في مفهوم النجاح والثراء الحقيقيين، بينما عاد سعيد إلى عائلته يستمتع بيومه.
هذه القصة تفتح الآفاق على مجموعة من الحكم والمواعظ، ولا يتصور بعضنا أنّ هذا المعنى الذي عالجته القصة يتعلق بالزهد والانكفاء بعيدًا عن مباهج الحياة، لا، ولكن فيها معانٍ أعمق تتلخص في:
- إنّ معنى السعادة الحقيقي ليس في جمع المال، وزيادة الثروة، وتحقيق الهدوء والسلام في نهاية المطاف، فهذا وهم، فليس هناك سعادة واستقرار مع تبني نظرية جمع الثروة من غير هدف إنساني نبيل، فكلما زاد المال ازدادت شهوة السلطة، وشهوة الجاه، وشهوة المناصب، وشهوة الملذات، وخوض كل سبيل وطريق لاستحصالها. قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأنعام: 141].
- الثروة السمكية، وغيرها من الثروات هي لنا ولأجيالنا الذين سيأتون إلى عالم يتأثرون به بما جنت أيدينا، فإن كنا نهلك الحرث والنسل في الحروب، وكنا نستهلك الثروات السمكية والحيوانية والنباتية وغيرها من خيرات الأرض خارج حاجاتنا الحقيقية، وبطريقة بشعة تنم عن إسراف وتبذير وإعدام حقيقي لخيرات الأرض وطيباتها. فماذا سيتبقى للأمم التي ستُولد لاحقًا؟ قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم: 41].
- يرى بعضهم أنّ قانون الغلة المتناقصة يتناقض مع مفهوم العطاء الإلهي، نعم، الله سبحانه وتعالى خالق النعم والطيبات، وليس في المنظور السماوي قانون إنقاص الغلة والمحاصيل بزيادة الاستهلاك، ولكنه سبحانه قال في محكم كتابه العزيز: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: 31]، لذلك نقول: لماذا توجد أمم ودول فقيرة؟ لماذا تسيطر وتهيمن دول عظمى على قوت البشر؟، وتلك الانتهازية والاستغلال الذي جاء به الاستعمار ونهب الخيرات، ومصادر الطاقة؛ لإدامة الثورة الصناعية والزراعية لتلك المافيات، حتى وإن اضطرت لتجنيد ملايين العبيد، وإراقة ملايين الدماء، وتجويع ملايين البشر!!
- يمكن للإنسان أن يفكر ويطور ويخترع بعض التقنيات التي تسهم في زيادة المحاصيل الزراعية، والانتاج الصناعي، وتقليل الجهد، وعدم الاتكاء على الاستيراد، ولكن لا يكون على حساب تعطيل وتسريح الأيدي العاملة التي تكد وتجتهد لتعيش، ولا يكون على حساب إنهاك الأرض، ولا على حساب تدمير البيئة، ولا على حساب الهيمنة على سائر الشعوب عبر الحرب الاقتصادية، وفرض واقع سياسي قسري، ولا على حساب إهمال تطوير المؤسسات الإنسانية التي تعنى ببناء الإنسان والمجتمع؛ فالمكننة والعلم والثراء الفاحش والانغماس في الحياة العصرية والتكنولوجية المصاحبة ليس لها شأن أصلًا بروح الإنسان وتحسين أخلاقه ومضامينه الطيبة، ومحتواه الفلسفي السليم.
- إنّ روح التطور الصناعي والتقني عليها أن تصاحب إنماء مؤسسات التربية والتعليم، والمؤسسات الخيرية، وغيرها، الداعمة للتكافل الاجتماعي، ومواساة المنكوبين والشهداء سواء في داخل البلد وخارجه، كما يحصل الآن في العتبات المقدسة في العراق من الإيمان بنظرية تحقيق بناء الإنسان على المستويين المادي والمعنوي، ومن ثمّ ذلك البناء سيؤدي لبناء البلد وبنيته الاقتصادية والاجتماعية، وحتى من الناحية العمرانية والتكنولوجية؛ فعملت على إنشاء المشاريع الصناعية والزراعية، بالتزامن مع بناء المراكز والمؤسسات التراثية والدينية والتوجيهية والثقافية، مع تفقد حال الناس ومعاناتهم سواء في العراق بعد الاعتداءات الآثمة من قوى الظلام والاستكبار الشيطاني، وحتى خارج العراق من المنكوبين بالزلازل والحرائق والحروب الظالمة، فـ«من لا يهتم بشؤون المسلمين فليس بمسلم». كما جاء عن رسول الله (ص).
- قضية التوفيق في الحياة على نحو عام، قضية مهمة، وتشكل محور السعادة في الدارين؛ فليس كل مجتهد وساعٍ قد يُوفق لعمل يبقى خالدًا، ويستمر ذكره شاخصًا عبر السنين، أو أن يحقق الطمأنينة المعنوية المرجوة، بل هناك تسديد إلهي مبني على خلوص النية من العبد، ومدى إقباله بقلب سليم على عمله وسعيه؛ لذلك لم تكتفِ العتبات المقدسة بكونها مراكز عبادة يومية، وإحياء طقوس ومراسم شهرية وسنوية، بل كان البُعد الإنساني حاضرًا جنبًا إلى جنب مع البُعد التنموي والحضاري؛ لكي ينعم الجميع بنور أهل البيت (عليه السلام) الزاهر بين جنبات هذه الحياض المباركة، إلى سماوات التسبيح والتهليل لرب العزة والجلال. ولكي يتجسد المنظور الإسلامي الإلهي عمليًّا في النهضة بواقع الإنسان في ميادين شتى من وجوده واهتماماته على هذه الأرض. فكان النجاح الحقيقي والثراء المميز، والتوفيق والعناية الإلهية كلها مجتمعة، ترافق قافلة المؤمنين من خَدَمَة العتبات المقدسة، عتبات النور والهداية والفلاح، عبر رحلة كفاحية جهادية؛ لتوطيد دعائم دولة مهدوية عالمية تؤمن بتحقيق كرامة الإنسان، والتعايش السلمي بين البشر، وتملأ مع إمامها الموعود (عجل الله فرجه) الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورا.




تقييم المقال

