جرائم وانتهاكات حزب البعث في العراق
ماذا بعد الاستفسار لخمسة دقائق ؟
د. رائد عبيس
هناك عبارة كثيرا ما تتردد عند جميع عناصر الأمن الصدامي اعتادوا على التلفظ بها حين القيام بالاعتقالات من دون أوامر قضائية وهي (الاستفسار لخمسة دقائق) تتكرر هذه العبارة على ألسنة البعثيين حين يقنعوا المعتقل بالذهاب معهم لأنهم يحتاجون منه "مجرد استفسار" عن معلومات واتهامات نسبت إلى المتهم عندهم ، ولم يترددوا في اختيار التوقيت الذي يقررون به الاعتقال والاستدعاء وتحت أي ظرف خاص لدى الأشخاص ، فضلاً عن طريقة الاعتقال التي تبدأ بالإهانات اللفظية ومن ثم الضرب ومن ثم تقييد الأيدي وعصب العيون والإركاب المذل بالسيارة الأمنية ومن ثم إما يتم التحقيق معه وإرجاعه بعد ساعات أو اعتقاله لأيام أو أشهر أو تغييبه بشكل قسري تام .
وهذا يعني أن "الاستفسار لخمسة دقائق " كذبة بعثية وطريقة احتيال واستدراج تتخذ في تبسيط وتهوين الجرم الذي يقومون به وهو الاعتقال من دون موافقة قضائية كما ينص على ذلك دستور 1970 المؤقت.
فماذا يحدث بعد هذه الدقائق ، هو الضرب، والتعذيب، والتغييب، والاغتصاب، والمحاكمة والإعدام، أو الإعدام من غير محاكمة، أو يكون المعتقل طعام للحيوانات المفترسة ، أو ضحية في ماكنة الثرم، أو أحواض التيزاب، أو السجن المؤبد أو المحاكمة بالسجن، أو الحبس ، فالنتيجة ما بعد الاستفسار لخمس دقائق تحتمل أي من هذه النتائج من دون مصداقية فيما يوعد بها من دقائق معدودة ، سواء كان يخص الأحداث أو الرجال أو النساء كلهم سواء في الإجراءات من دون مراعاة لأي ضوابط مهنية في التعامل مع الجميع.
وكثيرا ما تحدث أمور في ما بعد هذه الدقائق من انتهاكات خطيرة وجسمية تتمثل بتوسيع نطاق الاعتقالات لتشمل عائلة المعتقل فيما لو تبعوه للاستفسار عن السبب أو أبدوا اعتراض معين ، فكثير من النساء العفيفات اغتصبن حين مراجعتهن مراكز الشرطة، أو دوائر الأمن ، أو الفرق الحزبية للاستفسار عن مصير أبنائهم وكذلك الرجال يتم اعتقالهم أحيانا ويهانون ويتهمون بالعمالة والخيانة والعدائية للحزب نتيجة السؤال عن ابناءهم.
وهنا يتنقل المعتقل بين مراحل من عمليات التنفيذ الإجرامي والانتهاكات التي تطاله من تعذيب قبل التحقيق ، وتعذيب حين التحقيق ، وبعدها يتلقى مصيره المجهول بين السجن لمدة غير معروفة الأجل ، أوبين الحكم ، أو التنفيذ بالإعدام أو المؤبد.
وثق السيد صاحب الحكيم شهادة عيانية لأحد الضحايا يكنى بأبي زيد وهو يتحدث عن التعذيب في أحد مديريات الأمن في محافظة واسط دائرة أمن الكوت . يقول هذا الشاهد " بتاريخ 6/4/1980 وفي تمام الساعة الثانية ظهرا ، اقتحم نحو 15 عنصرا من رجال مديرية أمن الكوت منزلنا ، وقد طلبوا مني الذهاب معهم من أجل الاستفسار لخمس دقائق فقط ... وبعد صعودي في السيارة ربطو عيني بقطعة قماش سوداء ، إإضافة إلى وضع الجامعة في يدي فعرفت أن هذه الأمور هي البدايات الأولى للتعذيب... وحين أحضروني أمام ضابط الأمن وسط الشتائم والضرب بالسوط ، وأمرهم أن يضعوني تحت السلم (الدرج) لكي أكون في متناول أيديهم ، بحيث أصبح كل من يمر يضربني أو يبصق علي أو يشتمني ، ثمّ إني لم أكن لوحدي في هذا الممر ، بل مع مجموعة من الشباب اعتقلوا بسبب توجههم الديني ".
هذه الشهادة تكشف لنا عدة انتهاكات قانونية كان قد يقترفها النظام البعثي وعناصره الإجرامية بحق المواطن العراقي:
أولا: طريقة الاقتحام ومشروعيته حيث لم تكن بأمر قضائي .
ثانيا: عملية التعذيب أثناء الاعتقال التي تعرض لها.
ثالثا : عملية التعذيب بعد الاعتقال وحين وصوله لدائرة الأمن.
رابعا : كشفت هذه الشهادة عن حالات جماعية مماثلة ولم يكن هو الوحيد في هذا المصير .
خامسا: كشف الشاهد عن جريمة وانتهاك كان كثيرا ما يمارسه البعث بكل إصرار وهو المحاسبة على التوجه الديني ، منتها بذلك القوانين المحلية المتمثلة بالدستور ، فضلا عن القوانين الدولية مثل : العهدين الأممين في الحقوق المدنية والاقتصادية والسياسية اللذان أشارا إلى ضرورة مراعاة احترام التوجه الديني للأفراد.
فضلا عن ترويع العوائل والاسر ، والخوف من الملاحقات ، والاستعلام الأمني الدائم عن العائلة والتحقيق المستمر ، كل ذلك تداعيات عن عملية "الاستفسار لخمسة دقائق " البعثية ، وما تقدم كان أنموذجًا مختصرًا عن تبعات مثل هذه الإدعاءات البعثية في عمليات الاستدعاء ، والاقتحام ، والاعتقال وما يخلفها من مصير التعذيب وغيره مما سبق ذكره.




تقييم المقال
