البحث المتقدم

البحث المتقدم

هل يستطيع التائب أن يعود نقيًّا؟

0 تقييم المقال

 

بقلم: زاهر حسين العبدالله

أحيانًا لا يكون السؤال الحقيقي الذي يؤرق الإنسان: لماذا أذنبت؟
بل سؤالٌ أكثر قسوة:

هل أستطيع، بعد كل ما فعلت، أن أبدأ من جديد؟

هناك ذنوب لا تنتهي آثارها بمجرد أن يغادر الإنسان لحظة المعصية؛ فقد تترك في النفس شيئًا من القسوة، وتضعف الحياء، وتثقل على الإنسان فعل الخير، وربما تجعله يألف ما كان يستقبحه بالأمس.

ومن هنا يشعر بعض التائبين أنهم لم يعودوا كما كانوا، وأن شيئًا ما انكسر في داخلهم، فيسألون: هل يمكن أن تعود الروح نقية كما كانت؟ أم أن كثرة الذنوب تترك ندبة لا تزول؟

الجواب الذي يفتح نافذة الأمل هو: نعم، للذنوب آثار، ولكنها ليست قدرًا أبديًا.

فالذنب قد يترك أثرًا، لكنه لا يتحول إلى هوية الإنسان.

وكما أن الجرح لا يصبح هو الإنسان كله، كذلك الخطيئة لا تختصر شخصية التائب. قد يلتئم الجرح، وقد يبقى منه أثر، بل قد يتحول موضع الألم نفسه إلى سبب في قوة الإنسان وحذره وخبرته.

ولهذا جاء النداء الإلهي صريحًا لأولئك الذين أثقلتهم الخطايا:

﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣).

ولم يتوقف القرآن عند النهي عن القنوط، بل قال:

﴿.. ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّـهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧).

التوبة ليست مجرد محوٍ للماضي

من أجمل ما ينبغي أن يفهمه التائب أن التوبة ليست مجرد إلغاء للعقوبة، وكأن الله يقول للإنسان: «لن أعاقبك، لكنك ستبقى مكسورًا بسبب ماضيك».

التوبة في منطق القرآن رجوع وإصلاح وبناء من جديد.

بل إن القرآن يفتح للتائب بابًا أعظم من مجرد المغفرة، فيقول:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان: ٧٠).

تأمل التعبير القرآني:

﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.

لم يقل فقط: يمحو السيئات، وإنما قال: يبدلها حسنات.

وهنا تتغير نظرة الإنسان إلى ماضيه؛ فالله سبحانه لا يتعامل معه باعتباره محكومًا إلى الأبد بماضيه، ولا يريد منه أن يعيش أسيرًا لسجل أخطائه.

قد يجعل الله من التجربة التي أوجعتك سببًا في وعيك، ومن السقوط سببًا في قيامك، ومن الضعف بابًا لمعرفة معنى الافتقار إليه.

فالإنسان الذي كان غافلًا ثم صار ذاكرًا، والذي كان يؤذي الناس ثم صار رحيمًا، والذي كان يتبع شهوته ثم صار يجاهد نفسه، لم يخرج من تجربته صفر اليدين.

لقد تعلّم، وجاهد، وانكسر لله، وعرف ضعفه، وعرف معنى الافتقار إليه.

ولكن كيف يغسل الإنسان آثار الذنب؟

هنا تأتي واحدة من أعمق الكلمات المروية عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في حقيقة الاستغفار.

فقد سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حد الاستغفار، فقال:

««أَتَدْري مَا حَدُّ الِاسْتِغْفَارُ. إِنَّ الِاسْتِغْفَارَ ‏[هُوَ]‏ التَّوْبَةُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ، وَهِيَ أَوَّلُ دَرَجَةِ الْعَابِدينَ الْعِلِّيّينَ. وَالِاسْتِغْفَارُ هُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا، النَّدَمُ عَلى مَا مَضى. وَالثّانِي، الْعَزْمُ عَلى تَرْكِ الْعَوْدِ إلِيَهِْ أَبَداً. وَالثّالِثُ، أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقينَ حُقُوقَهُمُ الَّتي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ حَتّى تَلْقَى اللّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ. وَالرّابِعُ، أَنْ تَعْمَدَ إِلى كُلِّ فَريضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدّي حَقَّهَا . وَالْخَامِسُ، أَنْ تَعْمَدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ وَالْحَرامِ وَالْمَعاصي فتَذُيبهَُ بِالأَحْزانِ، حَتّى يَلْصَقَ الْجِلْدُ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ فيمَا بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَديدٌ. وَالسّادِسُ، أَنْ تُذيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطّاعَةِ كَمَا أذَقَتْهَُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللّهَ».»

 تمام نهج البلاغة، ص 540، مكتبة صحراء النجف.

وهنا تتضح الصورة.

الاستغفار ليس كلمة تُقال باللسان ثم يعود الإنسان إلى حياته كما كان؛ بل هو مشروع إصلاح: ندم، وعزم، وردّ للحقوق، وقضاء للفرائض، ومجاهدة للنفس، وتغيير عملي في السلوك.

لذلك لا يحتاج التائب إلى البحث عن «رقم سحري» من الأيام، أو أن يظن أن أربعين صباحًا وحدها كفيلة بمحو كل آثار الماضي.

المسألة أعمق من ذلك.

إنها رحلة مستمرة من العودة إلى الله.

هل التائب يصبح كمن لم يذنب؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين.

لا نستطيع أن نضع قاعدة عامة تقول إن كل من تاب أصبح مساويًا لكل من لم يذنب؛ فالدرجات عند الله لها معاييرها، ولكل إنسان مقامه وعمله ومجاهدته.

لكن المؤكد أن التوبة لا تعني أن التائب أصبح إنسانًا من «الدرجة الثانية» عند الله.

بل قد يبلغ الإنسان بالتوبة والإنابة والمجاهدة من المقامات ما لم يكن ليبلغه لو بقي على حاله.

والخطأ الأكبر أن يستمر الإنسان في معاقبة نفسه بعد أن فتح الله له باب التوبة.

إذا تبت، فأصلح ما تستطيع، وردّ الحقوق إلى أهلها، وأكثر من العمل الصالح، وجاهد نفسك، ثم امضِ إلى الله.

لا تجعل الشيطان يحوّل الندم الذي كان ينبغي أن يقودك إلى الله إلى يأس يبعدك عن الله.

وإذا بقي القلب قاسيًا؟

قد يقول التائب: «تبت، لكن قلبي لم يعد كما كان».

والجواب ليس أن يقول: إذن توبتي لم تنفع.

بل قل:

سأستمر حتى يلين.

فالقلوب لا تتغير دائمًا في لحظة.

قد يحتاج القلب إلى أن يُسقى طويلًا بالصلاة، والقرآن، والاستغفار، وترك المعصية، وخدمة الناس، ومجالسة الصالحين، ومجاهدة النفس.

قال تعالى:

﴿وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩).

لذلك لا تجعل السؤال:

«متى سأعود كما كنت؟»

بل اجعل السؤال:

«هل أنا اليوم أقرب إلى الله من الأمس؟»

فإن كان الجواب نعم، فامضِ.

ولا تبحث دائمًا عن نفسك القديمة؛ فقد لا تكون العودة إلى ما كنت عليه هي الغاية.

ربما يريد الله منك أن تصنع مع التوبة نسخة جديدة منك؛ أنقى، وأوعى، وأشد افتقارًا إليه.

أحيانًا يكون السقوط بداية القيام

ليس معنى هذا أن الذنب خير؛ فالذنب ذنب، والمعصية معصية، ولا ينبغي للإنسان أن يبحث عن مبررات لها.

لكن التوبة الصادقة قد تجعل من السقوط بداية للقيام.

قد يخرج الإنسان من ذنبه وهو يعرف الله سبحانه بطريقة لم يكن يعرفها قبل ذنبه.

ليس لأن الذنب أوصله، وإنما لأن التوبة الصادقة أعادت توجيه حياته.

فلا تقل:

«لقد أفسدت نفسي».

قل:

«أذنبت، ثم عرفت باب الله، وسأبقى أطرق هذا الباب حتى أصل».

وهنا تكمن روعة التوبة.

فهي لا تعيدك بالضرورة إلى الإنسان الذي كنت عليه قبل الذنب؛ قد تأخذ بيدك لتصنع منك إنسانًا أفضل مما كنت.

إن كنت تحمل ماضيًا يؤلمك، فلا تجعله سببًا لليأس.

اجعله درسًا.

وإن كان في قلبك جرح، فلا تنشغل بسؤال: هل سيختفي الأثر تمامًا؟

انشغل بالسؤال الأهم:

هل ما زلت أمشي نحو الله؟

فما دام الإنسان يعود، ويجاهد، ويستغفر، ويصلح، ويقوم كلما سقط، فالباب لم يُغلق.

والله أرحم بنا من أنفسنا.

التوبة ليست نهاية قصة الذنب، بل قد تكون بداية أجمل قصة مع الله.

 زاهر حسين العبدالله

نعم
هل اعجبك المقال