البحث المتقدم

البحث المتقدم

هل كل فضيلة تُروى عن النبي الأعظم (ص) وأهل البيت تُقبل؟

1 تقييم المقال

قراءة منهجية في التعامل مع الروايات المنقولة من خارج مصادر الإمامية
 بقلم: زاهر حسين العبد الله
تنتشر في بعض الكتب والمجالس والأدبيات الدينية روايات وقصص تُنسب إلى النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، ويكون مضمون بعضها متضمنًا لفضيلة أو مقام رفيع لهم، فيتعامل معها بعض الناس على أنها حقائق ثابتة لمجرد اشتمالها على معنى المدح والتعظيم.
ومن هنا يبرز سؤال منهجي مهم:
هل كل فضيلة تُروى عن النبي وأهل البيت عليهم السلام تُقبل لمجرد كونها فضيلة؟ أم أن للرواية ميزانًا علميًا لا بد من إخضاعها له؟
ومن النماذج التي تطرح في هذا السياق ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله في ليلة المعراج من أنه لما وصل إلى العرش أراد خلع نعليه، فنودي: لماذا تخلع نعليك؟ ثم ورد في تتمة القصة:
«يا محمد، إن كان موسى أراد فأنت المراد، وإن كان موسى أحب فأنت المحبوب، وإن كان موسى طلب فأنت المطلوب، وأنت القريب وأنت الحبيب». (1)
كما تُتداول عبارة أخرى مشهورة في بعض الأدبيات والمدائح، وهي أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله «وطئ بساط القدرة بنعليه».
فما المنهج الصحيح في التعامل مع هذه الروايات والعبارات؟
الفضيلة لا تمنح الرواية حصانة
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه أن الرواية لا تُقبل لمجرد أن مضمونها يتضمن فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله أو لأهل البيت عليهم السلام.
فالرواية تُبحث من جهات متعددة، أهمها: المصدر، والسند، والمضمون، والقرائن، ومدى موافقتها للكتاب والسنة وأصول العقيدة.
وعليه، فإن ورود رواية في كتاب من كتب غير الإمامية لا يجعلها حجة على مدرسة أهل البيت عليهم السلام بمجرد وجودها فيه، بل لا بد من النظر في قيمتها الحديثية ومضمونها، ومدى انسجامها مع الأصول التي تقوم عليها المدرسة الإمامية.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف». (2)
وروي عنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله». (3)
وهذا يكشف عن قاعدة مهمة: الفضيلة لا تمنح الرواية حصانة من النقد، بل كلما كان مضمون الرواية أعظم وأبعد أثرًا في تشكيل تصورنا عن مقام النبي وأهل البيت عليهم السلام، كانت الحاجة إلى التثبت منها أكبر.
بين إمكان المضمون وثبوت النسبة
ومن الأخطاء المنهجية الشائعة الخلط بين أمرين مختلفين:
إمكان مضمون الرواية، وثبوت نسبتها إلى المعصوم.
فقد يكون المعنى الذي تتضمنه رواية ما صحيحًا في نفسه، أو قابلًا للتأويل بما ينسجم مع العقيدة، لكن ذلك لا يعني أن النبي صلى الله عليه وآله قاله، أو أن الواقعة المذكورة حدثت بالفعل.
وكذلك فإن عدم العثور على الرواية في مصادرنا لا يعني بالضرورة الجزم بكذبها، وإنما يعني أن دليل إثبات نسبتها لم يقم عندنا.
وهذا فرق مهم بين الحكم على الرواية وبين الحكم على مضمونها.
أما إذا اشتمل مضمون الرواية على معنى يصادم أصلًا قطعيًا من أصول التوحيد والتنزيه، فلا يقتصر الأمر حينها على التوقف في سندها، بل يُرد المعنى المخالف أيضًا.
هل التسامح في أدلة السنن يشمل نسبة الفضائل؟
وهنا تبرز شبهة أخرى، وهي قاعدة التسامح في أدلة السنن.
فقد يقول قائل: إذا كانت الرواية تتحدث عن فضيلة أو عمل صالح، فلماذا التشدد في سندها؟ ألا تكفي أخبار «من بلغ»؟
والجواب أن قاعدة التسامح في أدلة السنن ليست محل اتفاق بين علماء الإمامية، بل وقع البحث بينهم في أصلها ودلالتها وحدودها.
وقد استند القائلون بها إلى روايات «من بلغ»، ومنها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«من بلغه شيء من الخير فعمل به كان له ذلك وإن لم يكن الأمر كما بلغه». (4)
لكن حتى على القول بالتسامح في أدلة السنن، لا بد من تحديد محل القاعدة بدقة.
فثمة فرق جوهري بين أن يبلغ الإنسان ثوابًا على عمل فيأتي به رجاءً للمطلوبية والثواب، وبين أن يخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله فعل واقعة معينة في المعراج، أو قال قولًا معينًا.
الأول يتعلق بفعل المكلف ورجاء الثواب، أما الثاني فهو إخبار عن واقعة ونسبة قول أو فعل إلى المعصوم.
ومن هنا، فإن القول بالتسامح ـ على مبناه ـ لا يعني أن كل خبر ضعيف يتحول إلى حقيقة تاريخية، ولا أنه يبيح لنا نسبة الأقوال والوقائع إلى النبي والأئمة عليهم السلام من دون ثبوت.
وهذه النقطة أساسية في البحث؛ لأن السؤال هنا ليس:
هل يجوز أن أعمل بهذا رجاءً للثواب؟
بل السؤال هو:
هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك؟
والجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى دليل على وقوع الواقعة وثبوت نسبتها.
الحديث الضعيف ليس هو «ما لا أصل له»
ومن الضروري أيضًا التفريق بين الرواية الضعيفة وبين النص الذي لا أصل حديثي له.
فإذا وجدنا رواية في مصدر حديثي بسند ضعيف، فنحن أمام خبر موجود يمكن دراسته من حيث السند، والطرق، والشواهد، والقرائن، والمضمون.
أما عبارة يتناقلها الخطباء والشعراء والوعاظ، من دون أن نقف لها على أصل روائي مسند، فلا يصح أن نصفها ابتداءً بأنها «رواية ضعيفة».
والتعبير الأدق منهجيًا هو:
لم يثبت لها أصل حديثي، ولم نقف لها على سند معتبر.
وهذا لا يعني الجزم بكذب كل عبارة لا نعرف مصدرها، وإنما يعني عدم منحها صفة الرواية الثابتة ونسبتها إلى المعصوم.
ماذا عن «وطئ بساط القدرة بنعليه»؟
عند تطبيق هذه القواعد على العبارة المشهورة:
«وطئ النبي صلى الله عليه وآله بساط القدرة بنعليه»
يتضح أن مجرد شهرتها في بعض الأدبيات الصوفية أو المدائح النبوية لا يكفي لإثباتها بوصفها حديثًا.
وبحسب ما تم الوقوف عليه، لم يُعثر لهذه العبارة، ولا للصيغ القريبة منها ـ كالقصة التي تتحدث عن بلوغ النبي صلى الله عليه وآله العرش وإرادته خلع نعليه ـ على أصل روائي مسند معتبر في المصادر الحديثية الإمامية المعتبرة.
وعليه، لا يصح أن يقال:
«ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وطئ بساط القدرة بنعليه».
لأن هذه النسبة تحتاج إلى دليل.
وهنا ينبغي أن نضع حدًا واضحًا بين الأدب والمديح والعرفان من جهة، والحديث والرواية من جهة أخرى.
فقد تكون العبارة جميلة من الناحية الأدبية، وقد يراد منها التعبير عن علو مقام النبي صلى الله عليه وآله وقربه من الله تعالى، لكن جمال التعبير وصحة المعنى المحتمل لا يجعلان منه حديثًا مرويًا.
إذا كان المقصود معنى عرفانيًا؟
قد يقال: نحن لا نقصد بالعبارة معنى حسيًا، وإنما نريد الإشارة إلى علو مقام النبي صلى الله عليه وآله وقربه من الله تعالى.
وهذا المعنى من حيث الأصل لا يحتاج إلى مثل هذه القصة لإثباته؛ فقد أثبت القرآن للنبي صلى الله عليه وآله مقامًا عظيمًا في المعراج، قال تعالى:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾[النجم: 8-9].
لكن ينبغي هنا أيضًا التفريق بين صحة المعنى وصحة النسبة.
فيمكن أن نقول:
هذا تعبير أدبي أو عرفاني يمكن حمله على معنى صحيح.
لكن لا يصح أن نقول:
ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال أو فعل ذلك.
وهذا فرق جوهري بين التأويل الأدبي والإثبات الحديثي.
وماذا لو أُخذت العبارة على ظاهرها؟
أما إذا حملت العبارة على معنى حسي يوحي بأن لله تعالى مكانًا أو جهة أو بساطًا يحل فيه، فإن القضية تتجاوز البحث في السند إلى البحث في أصل التوحيد والتنزيه.
فإذا أريد بالعرش والبساط مكانًا تحل فيه الذات الإلهية، أو جهة يكون الله تعالى فيها، فهذا المعنى لا ينسجم مع أصل تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة والحركة والانتقال.
وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«من زعم أن الله من شيء، أو في شيء، أو على شيء فقد كفر». (5)
ومن ثم لا يمكن إثبات معنى تجسيمي أو مكاني لله تعالى لمجرد وروده في قصة يُراد بها إثبات فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله.
ثلاث قواعد تحسم المسألة
يمكن تلخيص المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه الروايات في ثلاث قواعد أساسية:
أولًا:  الرواية المنقولة من كتب العامة لا تصبح حجة عند الإمامية لمجرد وجودها فيها، بل تُبحث وفق قواعد الحديث والدراية، وتُعرض على الكتاب والسنة والأصول القطعية.
ثانيًا:  التسامح في أدلة السنن ـ على القول به ـ لا يعني التسامح في نسبة الأقوال والوقائع إلى النبي والأئمة عليهم السلام، ولا يحول الخبر غير الثابت إلى حقيقة تاريخية.
ثالثًا:  قصة «وطئ بساط القدرة بنعليه» لا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله ما لم يثبت لها مصدر روائي معتبر. فإن أريد بها معنى تجسيمي أو مكاني لله تعالى فهي مردودة، وإن أريد بها معنى عرفاني أو أدبي محتمل، فهي تبقى تعبيرًا أدبيًا لا حديثًا مرويًا.
خاتمة: المحبة لا تعني التساهل في النسبة
إن تعظيم النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام لا يكون بقبول كل ما يُنسب إليهم من فضائل، وإنما يكون أيضًا بصيانة حديثهم عن النسبة بغير علم.
فليس كل ما كان فضيلةً في معناه ثابتًا في نسبته، كما أن رد الرواية غير الثابتة لا يمثل انتقاصًا من مقام المعصوم، بل قد يكون من تمام تعظيمه وصيانة مقامه.
فالمنهج المتوازن لا يقول: نقبل كل ما فيه رفعة للنبي وأهل البيت، ولا يقول: نرد كل ما لم نجده في مصادرنا.
بل يقول بوضوح:
نثبت ما ثبت، ونتوقف فيما لم يثبت، ونرد ما خالف المحكمات.
والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لا يحتاج إلى منقبة مجهولة؛ فقد أغنانا الله تعالى عن ذلك بفضائل ثابتة، ومقامات عظيمة تشهد لها آيات الكتاب وروايات العترة الطاهرة.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن يحضر دائمًا عند التعامل مع الروايات:
هل نبحث عما يثبت الفضيلة، أم نبحث أولًا عما يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله قالها وفعلها؟
فهنا يبدأ الفرق بين المحبة التي يضبطها العلم، والمحبة التي يفتح بابها التساهل في النسبة.
 زاهر حسين العبد الله
 
المصادر والشواهد
(1) اللكنوي، الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، ص37.
(2) محمد حيدر النائيني، الحاشية على أصول الكافي، ج1، ص232.
(3) الملا صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، ج2، ص346.
(4) السيد محمد سعيد الحكيم، الكافي في أصول الفقه، ج2، ص224.
(5) السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، ج3، ص751.

نعم
هل اعجبك المقال