البحث المتقدم

البحث المتقدم

هل للعفة موسم محدد ثم ينتهي؟

0 تقييم المقال


رسالة إلى فتياتٍ عشنَ مع الحجاب في محرم وصفر… فهل ينتهي الالتزام بانتهائهما؟
بسمه تعالى
مع انتهاء شهري محرم وصفر، يتكرر أمامنا مشهد يستحق التوقف والتأمل.
في هذين الشهرين، نرى مشاهد جميلة من الحشمة والعفة والالتزام؛ ترتدي كثير من أخواتنا المؤمنات العباءة الساترة، ويظهر الحجاب بصورة أكثر وضوحًا، وتعيش الفتاة أجواءً إيمانية مرتبطة بسيرة الزهراء وزينب والحسين عليهم السلام.
ثم ما إن تنتهي أيام محرم وصفر حتى تتغير بعض المظاهر!
وهنا يفرض السؤال نفسه:
هل التدين والعفة والحجاب مرتبطون بموسم معين؟ وهل كانت العباءة الزينبية لباسًا لمحرم وصفر فقط؟ وهل يتغير حكم الحجاب بانتهاء الموسم؟
دعونا نبدأ من سؤال أعمق:
هل ربُّ محرم وصفر هو غير ربِّ بقية الشهور؟
وهل كانت الزهراء عليها السلام قدوةً لنا في العفة والحياء لشهرين فقط؟ وهل كانت زينب الكبرى، فخر المخدرات عليها السلام، مدرسةً موسمية؟ وهل أراد الإمام الحسين عليه السلام منا أن نرتدي ثوب العفة أيامًا، ثم نخلعه عندما تنتهي المناسبة؟
بالتأكيد لا.
فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن مشروع موسم، وزينب الكبرى عليها السلام لم تكن شعارًا عابرًا، وأهل البيت عليهم السلام لم يعلمونا تدين المناسبات، وإنما علمونا دينًا يصاحب الإنسان في كل أيام عمره.
الحجاب فريضة لا تعرف المواسم
إن الحجاب في الإسلام فريضة شرعية، وليس عرفًا اجتماعيًا مرتبطًا بمحرم أو صفر، كما أن العفة والحياء ليسا زينة موسمية.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾.[1]
تأملوا التعبير القرآني: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ لم يقل: في محرم، ولم يقل: في صفر، ولم يقل: في موسم العزاء.
وإنما جعل الخطاب للمؤمنات؛ لأن التكليف مرتبط بالإيمان والإنسان، لا بالموسم والزمان.
ومن هنا، فإن الحجاب الذي ترتديه المؤمنة في محرم حبًا للحسين وزينب عليهما السلام، ينبغي أن يبقى معها بعد محرم، لا لأن محرم انتهى، بل لأن حكم الله لم ينتهِ بانتهائه.
«الإيمان في القلب»... فهل يبقى بلا أثر؟ 
قد تقول فتاة: أنا مؤمنة، والإيمان في القلب، وما يهم هو أخلاقي ونيتي التي أحفظها مع ربي سبحانه!
والجواب: نعم، الإيمان محله القلب، لكن الإيمان الحقيقي لا يبقى حبيس القلب من غير ترجمان عملي في القول والفعل.
فالإنسان حين يؤمن بالله سبحانه، تظهر آثار إيمانه في سلوكه واختياراته ومواقفه.
ولهذا لا يكفي أن نقول: «أنا أحب الزهراء عليها السلام» .
بل ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل بلغ حبنا لها درجةً تجعلنا نتأسى بعفتها وحيائها وطهارتها؟
ولا يكفي أن نقول: «أنا أحب زينب عليها السلام ». 
بل نسأل: هل حب زينب عندنا مجرد اسم وصورة وشعار، أم أنه مدرسة نتعلم منها الحياء والعفة والثبات؟
إن أعلى درجات المحبة لأهل البيت عليهم السلام ليست في رفع الشعارات وحدها، وإنما في التمسك بتعاليمهم والسير على طريقهم.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«معاشر الشيعة، كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا، قولوا للناس حسنًا، واحفظوا ألسنتكم وكفّوها عن الفضول وقبيح القول».[2]
وقال الإمام الهادي عليه السلام: «اتقوا الله وكونوا زينًا ولا تكونوا شينًا، جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح».[3]
فليست القضية أن نرفع اسم أهل البيت عليهم السلام، ثم تكون حياتنا بعيدة عن أخلاقهم وتعاليمهم.
أخطر ما في الأمر... أن التنازل لا يحدث دفعة واحدةوهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر بالغ الخطورة.
الشيطان لا يطلب منكِ أن تهدمي كل شيء في يوم واحد. هو يعرف أن الإنسان المؤمن قد يرفض المعصية إذا جاءت إليه بصورة صريحة، ولذلك يأتيه من الأبواب الصغيرة، ومن الخطوات التي تبدو في بدايتها بسيطة ولا تستحق التوقف.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.[4] تأملوا التعبير القرآني: لم يقل فقط: لا تتبعوا الشيطان، وإنما قال: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ لأن الانحراف كثيرًا ما يبدأ بخطوة صغيرة.
ثم تصبح الخطوة عادة، وتصبح العادة أمرًا طبيعيًا، ثم يبدأ الإنسان في الدفاع عنها، ثم يستغرب ممن ينصحه.
قد تبدأ الحكاية بقول: «سأخفف العباءة قليلًا». ثم: «هذا اللباس ليس فيه شيء». ثم: «الجميع يلبسه».
ثم: «أنا حرة». ثم: «المهم القلب». وهكذا يتدرج الإنسان في التنازل، حتى يصبح ما كان بالأمس مستنكرًا أمرًا عاديًا. وهنا تكون المشكلة ليست في قطعة القماش وحدها، وإنما في المسار الذي قاد إليها.
لا تسألي فقط: هل وصلت إلى الحرام؟
المؤمن الواعي لا ينتظر حتى يقع في الحرام ليسأل نفسه أين أخطأت. بل يسأل قبل ذلك:
إلى أين تقودني هذه الخطوة؟ وهنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾.[5] لم يقل القرآن فقط: لا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ .لأن الإسلام يريد أن يغلق الطريق المؤدي إلى السقوط، لا أن ينتظر الإنسان حتى يقع فيه. وهذا هو معنى التقوى في جانب مهم منها: أن يكون الإنسان يقظًا للخطوات الصغيرة قبل أن تتحول إلى طريق كامل. الحجاب له ظاهر... وله باطن
وهنا أريد أن أتوقف عند نقطة مهمة جدًا:
الحجاب ليس قطعة قماش فقط.
للحجاب ظاهر، وله باطن. أما الحجاب الظاهر، فهو التزام المرأة باللباس الشرعي الساتر الذي أمر الله تعالى به، ومن صوره في مجتمعاتنا العباءة الساترة المحتشمة التي عُرفت عند كثير من المؤمنات بالعباءة الزينبية.وهذا أمر مهم، ولا يصح أن نقول: «أنا مؤمنة من الداخل، فلا أهمية للحجاب» . لأن الله تعالى شرع الحجاب، والمؤمن لا يختار من أوامر الله ما يناسبه ويترك ما لا يناسبه. لكن في المقابل، لا ينبغي أن نختصر العفة في اللباس وحده. 
فهناك الحجاب الباطن؛ حجاب العين، واللسان، والقلب، والسلوك، والحركة، والعلاقات. فماذا ينفع حجاب الجسد إذا أطلق الإنسان لسانه في الكلام الذي لا يليق؟ وماذا ينفع ستر الثوب إذا كانت الحركات والسلوكيات تلفت الأنظار؟ وماذا ينفع اللباس الساتر إذا كان التعامل مليئًا بالإيحاءات؟ وماذا ينفع المظهر المحتشم إذا كان القلب متعلقًا بما نهى الله عنه؟
إن العفة الحقيقية أن تتعلم المرأة كيف تستر جسدها، وتستر عينيها عن الحرام، ولسانها عن الفحش، وقلبها عن التعلق المحرم، وسلوكها عن كل ما يسقط حياءها.
ولهذا قال النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: «الحياء شعبة من شعب الإيمان».[6] وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «الحياء سبب إلى كل جميل».[7] فإذا كان الحياء شعبة من الإيمان، وكان سببًا إلى كل جميل، فكيف نختصر العفة في لباس فقط؟
ورسالة إلى فتياننا أيضًا
وهنا رسالة لا بد أن تصل إلى فتياننا وشبابنا. يا أخي المؤمن... لا تجعل الحجاب قضية تخص الفتاة وحدها.
فالقرآن بدأ قبل آية حجاب النساء بخطاب الرجال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.[8] أي أن عليك أنت أيضًا أن تملك حجاب العين. فكما أن على أختك أن تستر جسدها، عليك أن تستر عينيك عن الحرام. وكما تطلب منها العفة، كن أنت عفيفًا. وكما تنتظر منها الحياء، كن أنت حيّيًا.
وكما تريد لها ألا تعرض نفسها للفتنة، لا تكن أنت من يبحث عنها بنظرة أو تعليق أو رسالة أو صورة.
لا تطلب من المرأة أن تحترم حدود الله سبحانه، بينما أنت تتجاوزها بعينيك.
العفة مشروع مشترك، والحياء مسؤولية مشتركة، والتقوى لا تُطلب من طرف واحد. لا تجعلي الناس ميزانًا للحق
أختي المؤمنة...لا تنظري إلى من تركت الحجاب أو خففت من التزامها فتقولي:«إذا كانت فلانة فعلت ذلك، فلماذا لا أفعل؟» المؤمنة لا تجعل الناس ميزانًا للحق.
قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.[9]
قد يتغير المجتمع، وقد تتغير الموضة، وقد يتغير تعريف الناس للجمال، وقد يصبح الاحتشام عند البعض «قديمًا» أو غير مواكب للعصر. لكن دين الله لا يتغير بتغير الموضة.
وأهل البيت عليهم السلام لم يعلمونا أن نقيس الحق بعدد من يلتزم به، وإنما أن نقيس أنفسنا بميزان الله سبحانه. لا تجعلي محرم وصفر نهاية العفة... بل بداية الطريق
أختي المؤمنة... إذا كنتِ قد ارتديتِ العباءة الزينبية في محرم وصفر حبًا للإمام الحسين وزينب عليهما السلام، فلا تخلعي معها روح العفة والحجاب. اجعلي انتهاء الموسم بداية مرحلة جديدة.
قولي لنفسك: أنا لم أرتدِ الحجاب لأن الناس تراقبني، وإنما لأن الله سبحانه يراني.
لم ألتزم في محرم لأن المجتمع ينتظر مني ذلك، وإنما لأنني أريد أن أكون ممن اختاروا رضا الله على رضا الناس. والفوز الحقيقي ليس أن يقال عنكِ: «ما أجمل حجابها». بل أن تكوني عند الله أمةً أطاعت ربها، فاستحقت منه الهيبة والرحمة والكرامة.
كلمة أخيرة...
أختي المؤمنة... لا أريدك أن تنظري إلى الحجاب باعتباره قيدًا؛ انظري إليه باعتباره رسالة كرامة.
ولا ترتديه لأنني قلت، أو لأن المجتمع قال، أو لأن الناس يراقبون؛ ارتديه لأنك اخترتِ أن يكون رضا الله سبحانه أعلى من رضا الناس. وإذا رأيتِ غيركِ تتنازل عن شيء من حجابها، فلا تحتقريها، ولا تسخري منها، ولا تجعلي نفسك أفضل منها.
انصحي برفق، واثبتي برحمة، وكوني أنتِ النموذج.
فقد تحتاج أختكِ يومًا إلى امرأة لم تضحِّ بمبادئها تحت ضغط الموضة، ولا تحت تأثير الصديقات، ولا تحت أعذار المجتمع.
كوني أنتِ تلك المرأة.
ويا فتياتنا... لا تجعلوا الحجاب لباس محرم، ثم تخلعونه بانتهاء عاشوراء. اجعلوا عاشوراء هي التي تُبقي الحجاب في حياتكم. ولا تجعلوا زينب عليها السلام صورةً في موسم، بل اجعلوها مدرسةً في كل يوم.
ولا تجعلوا حب أهل البيت عليهم السلام كلمات على اللسان، بل طاعة تظهر في اللباس، وفي الكلام، وفي النظرة، وفي الحركة، وفي الاختيار، وفي كل تفاصيل الحياة.
فالحجاب الظاهر يحفظ الجسد من أعين الناس...
أما الحجاب الباطن فيحفظ القلب من أعين الشيطان. والمرأة التي تجمع بين الاثنين لا تكون فقط محتشمة في مظهرها، بل تكون عفيفة في حضورها، طاهرة في سلوكها، كريمة في أخلاقها، زينبية في ثباتها.
ولعل أجمل ما نختم به قول أمير المؤمنين عليه السلام: «الحياء سبب إلى كل جميل». فإذا كان الحياء مفتاح الخير، فاحفظيه...ليس لمحرم وصفر، بل لله سبحانه، ما دام فيك قلب ينبض بالإيمان.
بقلم
زاهر حسين العبد الله

الهوامش والمصادر
[1] القرآن الكريم، سورة النور، الآية 31.
[2] الشيخ محمد الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص1544، باب «الشيعة».
[3] المصدر نفسه، في أبواب ما ورد في التحلي بأخلاق أهل البيت عليهم السلام.
[4] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 168.
[5] القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 32.
[6] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص106، كتاب الإيمان والكفر، باب الحياء، ح5.
[7] المحدث النوري، مستدرك الوسائل، ج8، ص466.
[8] القرآن الكريم، سورة النور، الآية 30.
[9] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 116.

نعم
هل اعجبك المقال