جرائم وانتهاكات حزب البعث
"صدام .. يقتل العراقيين جميعاً"
د. رائد عبيس
ينقل لنا السيد صاحب الحكيم في مؤلفه الموسوم (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب، واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق)، قصصاً من التعذيب المضاعف، ووقائع عن جرائم وتجاوزات متراكمة خلّفت نتائج مستمرة إلى يومنا هذا، بل ويمتد أثرها لقرون قادمة.
نعم، لقرون من الزمن! لأن القتل ليس مجرد عملية استئصال لكائن حي وتحويله إلى عدم، كما أنه ليس حدثاً عابراً ينتهي بوقوعه من دون أن يترك أثراً؛ بل هو جناية تمتد مضاعفاتها البليغة وتتسع آثارها لتشمل أجيالاً متعاقبة.
إن من قتلهم صدام في واقع الأمر ليسوا أفراداً، ولا جماعة معينة، بل هو شعب برمتّه. ولم يقتصر هذا القتل على الشعب الذي يحكمه فحسب، بل امتد ليتجاوز حدود سلطته ويطال شعوباً مجاورة أخرى!
ولماذا شملنا بهذا الحكم جميع العراقيين؟ لأن عمليات القتل والجرائم الجسيمة التي ارتكبها البعث لم تكن مقتصرة على تصفية حسابات فردية او جماعية من خلال سياسة الاستهداف المباشر، بل كانت أشبه بـ "الاستهداف الموسّع"؛ فالتنكيل بالفرد كان يمتد تلقائياً ليشمل عائلته، ومن ثم عشيرته، فقريته، وصولاً إلى مدينته وحيّه السكني. لقد كانت الجريمة الواحدة كحجر يُلقى في بركة ماء، فما بالك إذا لم يكن المقذوف حجراً، بل قنبلة أو صاروخاً؟ كيف لا تتسع تلك الدائرة لتشمل كل من يحيط بها؟
ذكر السيد صاحب الحكيم نماذج من أرقام المعذبين في العراق قد يصل عددهم إلى مئات الآلاف، وحين نضاعف هذا الرقم ليشمل ذويهم وأصدقاءهم ومجتمعهم، نجد أنهم ما زالوا يتألمون بعد كل هذه العقود الطويلة من تجربة الحكم البعثي المشؤوم. هذا الألم المتضاعف يستشعره اليوم كل من يدرك الخطورة الاستراتيجية لتلك الجرائم على المكونات العراقية—بمختلف محافظاتها، وقومياتها، ودياناتها—والتي خلّفت في نفوسهم جرحاً غائراً لا يندمل، وندبة في قلوبهم، وعاهة في تاريخ هويتهم.
فالإنسان العراقي الذي بقي حياً، قُتل هو الآخر بشكل مضاعف؛ إذ لم تكن حالته كحال من قُتل واستراح مبكراً من مستقبل الحياة تحت ظل نظام بعثي والذي كان يزداد سوءاً كلما تقدم به الزمن، وحتى سقوطه عام 2003.
إن قصص التعذيب، والقتل، والتهجير، والموت، والمقابر الجماعية، والترحيل القسري، والاعتقالات، والأحكام المؤبدة، والإعدامات؛ كلها جرائم تضاعفت نتائجها على البنية الاجتماعية، وما زالت تشكّل ندوباً مؤلمة وأزمات نفسية مزمنة. فضلاً عن كونها قرائن تاريخية ستبقى تحفر في وجدان الضمير العراقي لمستقبل بعيد جداً.
فكل ما ارتكبه البعث من فظائع يعد عملية قتل مستمرة لكل فرد عراقي، سواء عاصر تلك الحقبة أم لم يعاصرها، اطلع عليها أم لم يطلع؛ فالحقيقة المتكشفة اليوم تمثل ألماً قاتلاً، غيّر من نمط الموت المعتاد وضاعف من صور القتل البشري.




تقييم المقال

