البحث المتقدم

البحث المتقدم

3700  جثة كُردية تأكلها الكلاب !

1 تقييم المقال

3700  جثة كُردية تأكلها الكلاب !

صور من انتهاكات حقوق الإنسان في زمن نظام البعث العراقي

 

د. رائد عبيس

 

كلما طال الزمن وتقدم، امتدت معه جرائم حزب البعث وتكشفت أبعادها؛ فهي في التوصيف القانوني تُعد "جرائم مستمرة" يمتد أثرها لعقود طويلة، من تاريخ حكمه وحتى بعد سقوطه.

إنها جرائم مروعة تكشف حجم الوحشية التي انطوت عليها عقيدة هذا النظام الإجرامي بحق الشعب العراقي عامة، والشعب الكُردي خاصة.

ولا نريد الإطالة هنا في الحديث عن تاريخ مكان هذه الحادثة، وهو "سجن نقرة السلمان"؛ فقد كَثُر الحديث فيه وعنه لرمزيته الكبيرة المرتبطة بجرائم البعث، وحجم الانتهاكات البشعة الاستثنائية التي جرت خلف أسواره، بل سنقصر الحديث في هذا المقال على شهادة حية نقلتها ضحية كُردية ناجية من تلك المأساة>

من المعروف، وبحسب ما نُشِر في هذا المجال من وثائق وتاريخ لتلك الحقبة، أن مجموع الكُرد الذين اعُتقلوا ونُقلوا ضمن عمليات "أنفال نقرة السلمان" -من الرجال والنساء والأطفال والعوائل- بلغ عشرات الآلاف من الضحايا عبر مراحل زمنية مختلفة، وجاء في هذه الشهادة أن أولئك المعتقلين الذين ينتمون إلى عشائر كُردية مختلفة، نُقلوا بطرق وحشية بهدف ترويعهم وإبادتهم بوسائل تفوق تصور العقل البشري؛ تعبيراً عن رغبة جامحة في الانتقام البليغ والمستمر، وهو رقم يقترب كثيراً من الروايات الرسمية.

وُزعت هذه الأعداد على قاعات ضيقة، ضمت كل قاعة ما يقارب 1000 شخص، مما تسبب باكتظاظ شديد أدى إلى حالات اختناق، وإجهاض، وتسمم، فضلاً عن المعاناة من الجوع الشديد والعطش في هذا المعتقل الصحراوي، ونتيجة لهذه الظروف القاسية، مات من بينهم نحو 3700 شخص، فكان إجراء سلطة البعث إزاء جثامينهم هو حملها ورميها للكلاب السائبة في قفر الصحراء، من دون الاستجابة لدعوات ذويهم والمعتقلين الآخرين المطالبة بدفنهم بطرق شرعية تليق بالكرامة الإنسانية.

لم يمت الضحايا دفعة واحدة ليتحقق هذا الرقم المرعب، بل كان موتهم فرادى أو جماعات، تَبَعاً للظروف الجوية والصحية، وتحت وطأة التعذيب الممنهج الذي يطالهم، فوق كل ما ذُكر من نقص في الغذاء والدواء والرعاية الصحية.

يؤكد هذا العدد من الضحايا الشاهدُ والناجي "محمد توفيق" (رئيس عشيرة رغزابي)، الذي عاين مصيرهم وعاش معهم كابوس الموت الذي حاق بهم باسم البعث ورأسه، وبإشراف المدعو "حجاج" مدير معتقل نقرة السلمان، الذي أوغل فيهم بأشد ما يمكن أن يظهره إنسان من وحشية، وقد أذاقهم شتى فنون القتل والظلم والإبادة التي تمثلت في "الموت الأسود" أمام مرأى النساء والأطفال وصدمة الرجال. لقد ذكر السيد (محمد توفيق) بأنه رأى العجب العجاب مما طالهم على يد زمرة البعث، دون مراعاة لأي قيمة من قيم الحياة الإنسانية التي كان يُؤمل أن تردعهم عما يرتكبونه، أو تنقذ الضحايا مما هم فيه.

إن صور هذه الجريمة وهذا الانتهاك تفوق القدرة على التخيل؛ إذ تحولت بطون الحيوانات المفترسة والكلاب السائبة إلى مقابر جماعية لآلاف الضحايا. قد يكون هذا المقال قاسياً ومؤلماً على أبناء القومية الكُردية، لكنها الحقيقة التاريخية التي لا بد من مواجهتها؛ ليس لنسيان الجراح، بل لتدارك الزمن وبناء وحدة وطنية حقيقية تقوم على التعايش السلمي كحل نهائي للتآخي بين المكونات الوطنية وجبر خواطر الضحايا، فقد كنا، وأصبحنا، وما زلنا ندفع  ثمن جرائم البعث المستمرة، والتي قد تفوق فظائعها الأرقام المذكورة في عنوان هذا المقال.

 

نعم
هل اعجبك المقال