جرائم وانتهاكات نظام البعث في حلبجة
القتلى، والجرحى، والمفقودون
د. رائد عبيس
لا يمكن تصور مشهد الإجرام الذي ارتكبه النظام البعثي في حلبجة من خلال توثيقٍ أحادي الجانب؛ بل يتطلب الأمر توثيقاً متكامل الأركان يحيط بأبعاد الجريمة بركنيها المادي والمعنوي. لقد انصرفت إرادة الفاعل بوضوح إلى ارتكاب فعلٍ بالغ الجسامة، هادفاً إلى إبادة جماعية شاملة من دون استثناء أو تراجع. هذا القصد الجرمي تجلى لاحقاً في وثائقيات النظام البعثي نفسه، والقرارات ، والخطط ، والاجتماعات التي سبقت الجريمة والتي حملت كافة أركان الإبادة الممنهجة.
إن الحديث الذي يجمع بين فئات ضحايا هذه المدينة من قتلى، وجرحى، ومفقودين، يعد أمراً بالغ التعقيد. فهو يتطلب تتبع تفاصيل دقيقة تتداخل فيها المصائر؛ بين جرحى قضوا نحبهم لاحقاً متأثرين بالإصابة، وناجين فُقدوا في معمعة النزوح، وقتلى عُدّوا في بداية الأمر ضمن المفقودين. لقد تسببت هول الفاجعة، وخطورة الموقف، وصدمة الأهالي مما جناه البعث الصدامي بحقهم، في تشتيت معالم المشهد وتداخل مصائر الضحايا.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤالان جوهريان: مَن الذي وثّق جريمة حلبجة؟ وكيف جُمعت تفاصيل هذه الفاجعة عبر قصص الضحايا؟
في الإجابة عن السؤال الأول، يبرز الدور الريادي والجهد الاستثنائي الذي بذله الدكتور صاحب الحكيم والدكتورة بيان الحكيم، اللذان تحمّلا عبء توثيق هذه الجريمة ميدانياً على الحدود العراقية الإيرانية. لقد وثّق الباحثان شهادات الضحايا بشكل مباشر عبر المقابلات الشخصية، والتنسيق مع المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام، وزيارة مخيمات اللاجئين والمستشفيات ومناطق التهجير. تتبّع هذا الجهد الإنساني مسارات الضحايا أينما وجدوا، ليثمر عن تسجيل أضخم تقرير يوثق الانتهاكات والجرائم البعثية بحق العراقيين، وهو ما يمثل الإجابة الوافية عن السؤال الثاني.
لذا، لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار الفضل التاريخي للدكتور صاحب الحكيم والدكتورة بيان الحكيم في حفظ وثائق هذه الجريمة، وتدوين التفاصيل الدقيقة التي تحفظ حقوق الضحايا، وتعرّف بتضحياتهم تمهيداً لإنصافهم.
وقد أورد الدكتور صاحب الحكيم في تقريره الموسوم (تقرير عن اغتصاب وقتل واعتقال أكثر من 4000 امرأة...) إحصائيات دقيقة، وأرقاماً، وصوراً، ومعلومات وافية عن حوادث هذه الجريمة. شكلت هذه البيانات مادة تاريخية، وتوثيقية، وقانونية، وجنائية حاسمة في إثبات الجريمة التي اقترفها النظام ضد الكرد، في وقت كان النظام البعثي يحاول جافياً إلقاء التهمة على الجارة إيران. ولم تصمد تلك الادعاءات أمام قوة الوثائق التي جمعها الحكيم من ضحايا حلبجة في بلدان الشتات، ولا سيما في إيران وتركيا وغيرهما من الدول التي استقبلت المصابين بالغازات السامة، والذين لا يزالوا كثير منهم يعاني من عاهات مستديمة حتى اليوم.
إن هذه الآثار الصحية الممتدة تضاعف من التوصيف الجرمي للمأساة، وتصنف بوضوح مرتبكيها كمجرمي جرائم حرب، وإبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية. وهو بالفعل ما يستحقه أزلام النظام البعثي؛ فعلى الرغم من أن الفاعلين الرئيسيين قد نالوا جزاءهم العادل بالإعدام بعد محاكمات سريعة كشفت فظائعهم وعلى رأسهم طاغية النظام، وعلي حسن المجيد (الذي عُرف بعلي الكيماوي لدوره المباشر في استخدام الأسلحة الكيميائية في عمليات الأنفال وحلبجة)، إلا أن بعض المتورطين الآخرين ما زالوا طلقاء.
وقد أحصى الدكتور صاحب الحكيم ما يقارب 941 ضحية من قتيلات حلبجة اللواتي قضين في وقت واحد وساعة واحدة جراء الغازات السامة والخانقة، وقد حُفظت أسماؤهن وأرقامهن بجهد شخصي استثنائي منه (كما ورد في الصفحة 308 من كتابه المشار إليه آنفاً). بينما وثّق في الصفحة 320 من الكتاب نفسه أعداد الجرحى وأسماءهم، متبعاً ذلك باستجواب العديد منهم لتوثيق شهاداتهم الحية على الجريمة. كما ساهمت شهادات الناجين والجرحى، بالتكامل مع تقارير المنظمات الدولية، في إعداد قوائم بأسماء المفقودين من الأطفال والنساء والرجال.
ختاماً، إن جريمة الإبادة الجماعية في حلبجة ضاعفت من صعوبة مهام التوثيق في أبعادها الجنائية، والحقوقية، والإنسانية، والاجتماعية. غير أن هذه الجهود التوثيقية أصبحت المرجع الأساسي لعمليات الإغاثة والإنقاذ، وصدرت بناءً عليها دراسات وتقارير أممية، تمثلت في قرارات مجلس حقوق الإنسان والتوصيات الدولية بمساعدة الضحايا وإيواء النازحين والمهجرين.




تقييم المقال
