البحث المتقدم

البحث المتقدم

النبي الأعظم محمدٌ (ص)... حين تصفُ الزهراءُ (ع)أباها

1 تقييم المقال

 

حين نريد أن نتحدث عن النبي الأكرم محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، قد تعجز الكلمات عن أن تمنح مقامه حقّه، وقد تضيق اللغة عن الإحاطة بعظمة رجلٍ غيّر وجه التاريخ، وأخرج الإنسان من ظلمات الجاهلية إلى رحاب التوحيد والهداية.

لكننا حين نبحث عن كلماتٍ خرجت من قلبٍ عرف النبي الأعظم محمدًا (ص)كما لم يعرفه أحد، فلن نجد أصدق ولا أعمق من كلمات ابنته الزهراء عليها السلام.

فهي لم تكتفِ بأن تقول: كان أبي نبيًا، أو كان عظيمًا، بل رسمت لنا في كلمات قليلة مشهد العالم قبل النبي الأعظم محمد (ص)، ومشهد العالم بعد النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله .

تقول أروحنا فداها وعليها السلام:

«فأنار الله بأبي محمد ظُلَمَها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلا عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم».(١)

تأملوا هذه الكلمات...

لم تقل أروحنا فداها الزهراء(ع): جاء محمدٌ فزاد الناس علمًا، وإنما قالت: «فأنار الله بأبي محمد ظُلَمَها».

لأن القضية لم تكن إضافة معلومة إلى معلومات، وإنما كانت إشعال نورٍ في عالمٍ غارقٍ في الظلام.

كان الإنسان يعرف أشياء كثيرة، لكنه فقد الطريق إلى الله. وكانت عنده قوةٌ وثروةٌ وأنسابٌ وقبائل، لكنه فقد ميزان الحق. وكانت الأوثان حوله كثيرة، حتى صار الحجر الذي ينحته بيده معبودًا يخرّ له ساجدًا!

فجاء النبي الأعظم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ليعيد للإنسان أعظم حقيقة نسيها:

أن لك ربًا، وأن لك غاية، وأن لك طريقًا، وأنك لست متروكًا في هذا الوجود بلا هداية.

ثم تقول الزهراء عليها السلام: «وكشف عن القلوب بهمها».


وهنا نغوص أعمق...

فالمشكلة لم تكن في العين وحدها حتى تحتاج إلى نور، بل كانت في القلب؛ ذلك القلب الذي تراكمت عليه حجب الجهل، وأثقلته الأوهام الواهية الهزيلة، واستعبدته الشهوات والعصبيات.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليحرر القلب من براثن الظلال قبل أن يحرر الأرض.

ثم تقول الزهراء (ع) أروحنا فدها :

«وجلا عن الأبصار غممها».

فالنبي الأكرم محمدٌ (ص) لم يكن قائدًا سياسيًا فحسب، ولا مصلحًا اجتماعيًا فحسب، وإنما كان رسول الهداية؛ يرفع عن الإنسان الغشاوة التي تمنعه من رؤية الحقيقة.

ولهذا جاءت بعدها الكلمات التي تكشف حجم ما صنعه هذا النبي العظيم(ص):

«فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية».

إنها ليست أوصافًا أدبية عابرة.

إنها شهادَةٌ من الزهراء عليها السلام بأن أباها أنقذ الإنسان من الضياع، ونقله من العمى إلى البصيرة، ومن التيه إلى الطريق.

ثم تختم الصورة بعبارة عظيمة:

«وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم».

فذلك هو النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

لم يأتِ ليبني مجدًا شخصيًا، ولم يطلب لنفسه ملكًا ولا سلطانًا، وإنما جاء ليأخذ بيد الإنسان وقلبه وروحه وعمق وجدانه إلى ساحة القدس الإلهي في ظلال رحمته وجلاء قدرته وجمال صنعه سبحانه وتعالى .

وهنا نفهم سرّ العداء الظالم للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وذريته .

فالظلام لا يحب النور. والباطل لا يطمئن أمام رسالةٍ تكشف زيفه.

والاستكبار لا يقبل نبيًا يقول للناس إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وإن الإنسان لا يُقاس بماله ولا بنسبه ولا بقوته.

لذلك لم تكن مواجهة أعداء الرسالة للنبي الأكرم محمدٍ صلى الله عليه وآله مواجهةً مع شخصه فقط، بل كانت مواجهةً مع المشروع الذي جاء به؛ مشروع التوحيد، والعدل، والكرامة، وتحرير الإنسان من عبودية غير الله سبحانه.

ولهذا لم ينتهِ الصراع برحيله، بل بدأت تخرج ظلم الجهل والجاهلية الذي تعودوا عليه بعض من تجذر في روحه وقلب المطموس فلا يقبل النور المحمدي .

فالنور الذي جاء به النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقي، وبقي معه من يحمل هذا النور من أهل بيته وذريته عليهم السلام 

ومن هنا نفهم شيئًا من المأساة الكبرى...

لم يكن إيذاء أهل البيت عليهم السلام حادثةً منفصلةً عن تاريخ الرسالة؛ بل كان امتدادًا للصراع حول النور المحمدي الذي أراد الله سبحانه له أن يبقى حيًا في الأمة.

فالذين عجزوا عن إطفاء نور النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حاولوا أن يطفئوا امتداده.

ولكن هيهات... قتلوا الإمام الحسين عليه السلام، وبقي الإمام الحسين عليه وآله وسلم .
وحاصروا أهل البيت، وبقيت رسالتهم.
وأرادوا أن يطمسوا آثارهم، فإذا بهم يتحولون إلى مدرسةٍ لا تزال توقظ الضمائر بعد قرون.

وهنا تعود كلمات الزهراء عليها السلام لتكون أبلغ من كل خطاب:

«فأنار الله بأبي محمد ظُلَمَها...»

فالنبي الأكرم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ليس ذكرى نحييها في يومٍ من السنة. النبي الأعظم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم نورٌ نحتاجه كل يوم. ورسالةٌ نحتاج أن نعيشها كل يوم. وطريقٌ إن ابتعدنا عنه عادت الظلمات من جديد.

وفي ذكرى رحيل هذا النبي العظيم، ربما يكون السؤال الحقيقي:

هل عرفنا النبي الأعظم محمدًا (ص) كما عرفته الزهراء عليها السلام ؟

هل رأينا فيه ذلك النور الذي أنقذ البشرية من الغواية؟

وهل حملنا من رسالته ما يكفي لنكون امتدادًا لذلك النور الإلهي، لا مجرد باكين على رحيله؟

سلامٌ على نبي الرحمة محمدٍ (ص) يوم أشرق نورًا في ظلمات العالم، وسلام عليه يوم حمل أمانة السماء، وسلام عليه يوم رحل عن الدنيا، وسلامٌ على أهل بيته الذين حملوا بعده راية النور، ودفعوا ثمن الوفاء للرسالة.

أعظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

بقلم: زاهر حسين العبد الله 

المصادر
(1)    الاحتجاج ، الطبرسي، أبو منصور ، ج١ ، ص١٣٣ .

نعم
هل اعجبك المقال