الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عاش في زمنٍ شديد القسوة، إذ فُرضت عليه الإقامة الجبرية والمراقبة العباسية الصارمة، لكن نور الإمامة كان أقوى من كل قيود الظلم والاضطهاد. فقد حوّل مولانا الإمام الحسن الزكي (عليه السلام) سجنه وضيق عيشه إلى مدرسة تُربّي القلوب، وتثبّت العقول، وترسم لنا الاستقامة على خط أهل البيت (عليهم السلام).
وكان (عليه السلام) يزرع في شيعته روح الوعي والرشاد والثبات،
قائلاً: «أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم من برٍّ أو فاجر»(1).
بهذه الكلمات النورانية من الهدي النبوي جعلهم قدوةً بين الناس، وأداةً عملية لإحياء رسالة الإسلام في زمن التزوير والانحراف والتضليل الإعلامي الذي أرادته تلك السلطة الظالمة.
كما كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يُعلّمهم الصمود أمام المحن، مذكّرًا بأن الارتباط بالله هو الحصن الأقوى، والملاذ الأمتن، والنجاة في الدين والدنيا والآخرة. وقد جسّد ذلك بقوله (عليه السلام): «اتقوا الله وكونوا زينًا ولا تكونوا شينًا، جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حقّ في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدّعيه أحد غيرنا إلا كذّاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)، فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات. احفظوا ما وصيتكم به، وأستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام»(2).
لقد أراد (عليه السلام) أن يغرس في شيعته ومحبيه أنّ طريق العزّة يبدأ من طاعة الله سبحانه، والثبات على الحق، والسير على الصراط المستقيم.
فرغم قِصر عمره الشريف، ترك وصايا عظيمة هيّأت الأمة لمرحلة الغيبة، مؤكّدًا أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الامتداد الطبيعي لخط النبوّة والإمامة. وقد مهّد لذلك من خلال خطوات مدروسة، منها:
١-تربية الشيعة على الاعتماد على السفراء والنواب.
٢- استخدام أسلوب المراسلات والتوقيعات كبديل عن اللقاءات المباشرة.
٣-إعطاء البشائر بولادته (عج) لخاصة شيعته.
٤-التأكيد على وجوب الصبر والانتظار لتهيئة الأمة لتقبّل الغيبة.
فكان (عليه السلام) مدرسةً في الصبر، وملاذًا للمؤمنين، ورايةً تؤكد أنّ خط أهل البيت (عليهم السلام) باقٍ ما بقي الدهر. والحمد لله رب العالمين.