السائل:
نحن نؤمن أن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة سليمة، لكننا نرى اليوم أشخاصاً يشعرون بأن جنسهم النفسي لا ينسجم مع جنسهم البيولوجي، حتى يصل بعضهم إلى قناعة راسخة بأنه ينتمي إلى الجنس الآخر.
فهل يُعدّ هذا الشعور انحرافاً فطرياً أصيلاً وُلد مع الإنسان، أم أنه حالة طارئة نشأت نتيجة عوامل نفسية وبيئية أثّرت في فطرته وشوّهت إدراكه لهويته الحقيقية؟ وإذا كان ناتجاً عن تراكمات مكتسبة، فكيف تنظر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحالة؟ وما هي سبل علاج هذا الاضطراب الروحي والنفسي واستعادة الفطرة؟
الجواب: بسمه تعالى
يمسّ هذا التساؤل عصب الرؤية العقدية والتربوية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو يبحث في كيفية التعامل مع "تلوث الفطرة الحادث". فالإنسان قد يصل عبر المؤثرات الخارجية إلى مرحلة من الاغتراب النفسي تُسمى في النصوص الشريفة بـ "انقلاب البصيرة" أو "رين القلوب"، بحيث يرى الباطل حقاً والحق باطلًا.
وفيما يلي تفصيل هذه الظاهرة ومنهج علاجها:
أولاً: التوصيف المعرفي (كيف يحدث الانحراف الفطري؟)
الفطرة الأصيلة هي السلامة النفسية الموصولة إلى التوحيد الخالص لله سبحانه إذا لم تلوثها عوامل أخرى ؛ لقول الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠)}الروم . «فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ» (١) .
لكن هذا النقاء يتعرض لمؤثرات بيئية وشيطانية تلوثه تدريجياً عبر المزج بين الحق والباطل. يقول أمير المؤمنين (ع): «وَإِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ... وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ»(٢).
هذا "المزج" والتلبيس الإعلامي والنفسي المستمر هو الذي يصنع الوهم ويُوصل المريض إلى قناعة تامة بأن "جنسه ليس جنسه الذي هو عليه "، وهو مصداق لقوله تعالى على لسان إبليس {ولَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّـهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّـهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)}النساء .والذي يشمل التغيير الباطني للفطرة السوية.
ثانياً: خطوات "الطب الروحي" وعلاج النفس
يؤكد علماء السلوك الأخلاقي (كالمحقق النراقي في جامع السعادات، والإمام الخميني في الأربعون حديثاً) حسب ما فهمت من كلماتهم أن علاج الانحراف المستحكم يحتاج إلى جهاد مركّب عبر أربع
خطوات:
1. إثارة دفائن العقول (الصدمة المعرفية):
المريض يعيش تحت تأثير وهم مُقنع. ويبدأ العلاج بتفكيك الشبهات الثقافية والبيئية وإعادته إلى البديهيات الجسدية والروحية التي خلقه الله عليها، عملاً بغاية الأنبياء: « عهد اللّه إليهم فجهلوا حقهّ واتّخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشّياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول..»(٣).
والمقصود من ميثاق فطرته: ما أودعه جلّ جلاله فيهم من العقول والمعارف التي يستهدى بها على النهج القويم.
2. تطهير المنافذ (علاج الرّين بالتخلية):
القناعة بالانحراف تغذيها الآثام السمعية والبصرية. يقول الإمام الباقر (ع): «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ... حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ، فَإِذَا غَطَّى الْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً»(٤). والعلاج هنا هو "التخلية" بقطع كل البيئات والمنصات التي تغذي هذا الوهم الخادع من النفس .
3. رياضة النفس بالمضادة (قهر السلوك):
المرض الروحي يُعالج بضده. فمن يتوهم أن جنسه غير جنسه، يُلزم ببرنامج سلوكي صارم لممارسة أدوار جنسه الحقيقي الذي خلق به وقهر النفس عليها وإن نفرت؛ لأن "الظاهر يؤثر في الباطن". يقول أمير المؤمنين (ع): «إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ»(٥).
4. الاضطرار الدعائي (الاستمداد الغيبي):
حين تصبح الهوية متخيلة، تعجز الحلول البشرية بمفردها وتفتقر للطف الإلهي. وهنا يكمن العلاج بالالتجاء والاضطرار، ومنه "دعاء الغريق" عن الإمام الصادق (ع): «يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»(٦) ؛ والدين هنا هو الفطرة والنظام الإلهي.
ثالثاً: كلمة مضيئة لعلماء العصر
يقول العلامة الطباطبائي في تحليله لثبات الفطرة:
" فللإنسان فطرة خاصة تهديه إلی سنة خاصة في الحياة و سبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلا أن يسلكها خاصة و هو قوله: «فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» و ليس الإنسان العائش في هذه النشأة إلا نوعا واحدا لا يختلف ما ينفعه و ما يضره بالنظر إلی هذه البنية المؤلفة من روح و بدن فما للإنسان من جهة أنه إنسان إلا سعادة واحدة و شقاء واحد فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه إليها هاد واحد ثابت.
و ليكن ذاك الهادي هو الفطرة و نوع الخلقة و لذلك عقب قوله «فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» بقوله: «لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ » .(٧)
خلاصة المنهج العلاجي:
علاج هذا الاضطراب الروحي يتطلب ثلاثة أركان متزامنة:
• عزل تام: عن البيئة الرقمية والواقعية التي تغذي الوهم.
• إجبار سلوكي: صارم لممارسة الهوية البيولوجية الحقيقية حتّى تطوع النفس.
• التجاء عبادي: دائم لتطهير القلب واستعادة البصيرة.
والحمد لله رب العالمين
بقلم زاهر حسين العبد الله
المصادر
(١) الكافي، الكليني، ج2، ص12.
(٢) الكافي ،الشيخ الكليني ، ج٨،ص٨٢.
(٣) نهج البلاغة ، علي دخيل،ج١،ص٣٧.
(٤) الكافي، ج2، ص273.
(٥) وسائل الشيعة ، الحر العاملي ،ج١٥،ص٢٦٨.
(٦) ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج١،ص١٨١.
(٧) الميزان في تفسير القرآن، ج16، سورة الروم الآية 30).




تقييم المقال