ربع قرنٍ من الألم.. شهادة توثيقية حية من ذاكرة التهجير القسري (1980-2003)
وُلد الشهيد علي حسين حنش الحسيناوي عام (1967م)، ونشأ في العاصمة بغداد، في منطقة الأورفلي، بين أحضان عائلة مؤمنة محافظة، عُرفت بالتدين والتمسك بالقيم الإسلامية الأصيلة. ومنذ نعومة أظفاره، كانت ملامح الالتزام والوَعْي تظهر جلية عليه، ما جعله محل احترام وتقدير في محيطه الاجتماعي والمدرسي على حد سواء.
كان طالبًا مجتهدًا في المرحلة الإعدادية، طامحًا لإكمال مشواره العلمي، لكنه وضع تطلعات شعبه فوق تطلعاته الشخصية. وبقلب مفعم بالإيمان، خطَّ خطواته الأولى في طريق الجهاد السلمي والفكري بالانضمام إلى حزب الدعوة الإسلامية، مؤمنًا بنهج المقاومة ضد الظلم، وساعيــًا لتغيير الواقع المرير الذي فرضه النظام البعثي القمعي على العراق وشعبه.
وبالرغم من صغر سنه، كان يتمتع بروح مسؤولة وناضجة، تسكنها الغيرة على الدين والوطن. وقد تميّز بشجاعته، وهدوئه المتزن، ونشاطه السرّي الذي أداه بإخلاص، حتى شاء الله أن يُعتقل الشهيد في عام (1992م)، بمحافظة ميسان، على يد جلاوزة الأمن، فقط لأنه اختار أن يكون صوتًا للحق في زمن كثر فيه الخضوع والخوف.
وبعد اعتقاله، تعرّض لأقسى صنوف التعذيب النفسي والجسدي في المعتقلات، لكنه صمد صمود الأبطال، ولم ينثنِ عن مبادئه أو يساوم على قناعاته. فصدر بحقه حكم الإعدام شنقًا حتى الموت في نفس عام اعتقاله (1992م)، ليصعد إلى ربه شهيدًا، مقبلًا غير مدبر، مضحيًا بحياته في سبيل عقيدته ومبادئه ومظلومية وطنه.
كان الشهيد علي متزوجًا، لكنه لم يُمهل ليُكمل مشواره العائلي، إذ اختار الطريق الذي سار عليه مئات من شباب العراق المقاوم، وأبى إلا أن يُسهم في مشروع عزة الأمة دافعًا روحهُ ثمنًا لذلك. لقد رحل الشهيد علي حسين حنش الحسيناوي، لكن ذكراه باقية، تتردد في ضمائر الأحرار، وتتجدد في قلوب المؤمنين مع كل جيل، يُستلهم منه معنى الصبر، والثبات، والتضحية من أجل العقيدة والحرية.









