#مؤسسة_الوافي_توثق
إيماناً منها بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية العراقية وتدوين التاريخ المنسي والمُغيب، تواصل "مؤسسة الوافي" جهودها الحثيثة في توثيق الانتهاكات التي طالت أبناء الشعب العراقي إبان حقبة النظام البائد. وتأتي هذه المادة كجزء من مساعي المؤسسة لجمع وتدوين التاريخ الشفوي من أصحابه وشهوده الأحياء، وذلك عبر سلسلة من المقابلات الميدانية المباشرة.
الطفل "مهدي"، المولود في بساتين مندلي عام 1966، لم يدرك أن هويته (الفيلية) ستتحول يوماً إلى تهمة جاهزة تطارد طفولته وتغتال شبابه. بدأت إرهاصات المأساة مبكراً مع موجات التهجير الأولى عام 1975، لكن الانفجار الأقسى لوحشية النظام البائد وقع في نيسان من عام 1980. في ذلك التاريخ، تمت مصادرة حياة مهدي بالكامل؛ سُلب منزله، وجُرد من وثائقه، ودُفع هو وعائلته تحت فوهات البنادق نحو حدود "المنذرية"، ليُطرد من أرضه وأرض أجداده بتهمة الانتماء للكرد الفيليين.
شكلت تلك اللحظة بداية لغربة قسرية امتدت لخمسة وعشرين عاماً. ربع قرن قضاها مهدي تائهاً في مخيمات اللجوء داخل الأراضي الإيرانية، حيث تجرع مرارة الغربة والفقر، إلا أن قسوة المنفى لم تفلح في كسر انتمائه أو محو ذاكرته العراقية.
في عام 2003، ومع سقوط الدكتاتورية، حزم مهدي آماله وعاد إلى وطنه حالماً بالإنصاف واسترداد الحقوق المسلوبة. لكن صدمة العودة كانت أشد قسوة؛ فقد اصطدم بوطنٍ لم يتسع لمنحه مأوى. وجد نفسه محشوراً مع عائلته في خيمة بائسة في أطراف "خانقين". وهناك، في العراء، اكتملت فصول المأساة حين التهم الصقيع جسد أحد أطفاله ليُتوفى من شدة البرد، تاركاً لمهدي جسداً منهكاً بالأمراض، وقلباً ينهشه وجع الفقد ومرارة الخذلان.
يقف "مهدي قره لوس" اليوم شاهداً حياً، ووثيقة تمشي على قدمين، تجسد جرحاً فيلياً لم يندمل بعد. إنه صوت يطالب بحقٍ مسلوب، ضاع في شقائه بين دكتاتوريةٍ قاسية هجّرته وصادرت ماضيه، وديمقراطيةٍ ناشئة خذلته وتنكرت لحاضره.







