البحث المتقدم

البحث المتقدم

ذكركم في الذاكرين.. ستة معانٍ في بيان مقام أهل البيت (عليهم السلام)

1 تقييم المقال

 
تقرير بقلمي من بيان سماحة السيد منير الخباز (حفظه الله)
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة، المروية عن الإمام علي الهادي (عليه السلام)، قوله:
«وَذِكْرُكُمْ فِي الذَّاكِرِينَ، وَأَسْمَاؤُكُمْ فِي الْأَسْمَاءِ، وَأَجْسَادُكُمْ فِي الْأَجْسَادِ، وَأَرْوَاحُكُمْ فِي الْأَرْوَاحِ، وَأَنْفُسُكُمْ فِي النُّفُوسِ، وَآثَارُكُمْ فِي الْآثَارِ، وَقُبُورُكُمْ فِي الْقُبُورِ».
 
أثار سماحة السيد منير الخباز (حفظه الله) تساؤلًا حول دلالة هذه الفقرة الشريفة، وحاصله: ما وجه تخصيص أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الأوصاف، مع أن ظاهرها لا يختص بهم؟ فكل إنسان له ذكر بين الذاكرين، واسم بين الأسماء، وجسد بين الأجساد، وقبر بين القبور.
فإذا كانت هذه الأوصاف مشتركة بين الناس، فما الخصوصية التي أراد الإمام الهادي (عليه السلام) بيانها في حق أهل البيت (عليهم السلام)؟
 
وللإجابة عن هذا التساؤل، عرض سماحته ستة معانٍ محتملة يمكن حمل الفقرة الشريفة عليها، وهي:
 
المعنى الأول: التميّز في المقام والشأن
ذكر سماحة السيد أن المقصود من هذه العبارات ليس مجرد إثبات وجود ذكر أو اسم أو جسد أو قبر لأهل البيت (عليهم السلام)، وإنما الإشارة إلى تميّزهم عن سائر الخلق في هذه الجهات.
فمع أن ذكرهم يقع ضمن الذاكرين، إلا أنه لا يقاس بذكر غيرهم، وأجسادهم وإن كانت ضمن الأجساد، إلا أن لها خصوصية لا تقارن بأجساد الآخرين، وكذلك قبورهم، فإنها وإن كانت في جملة القبور، إلا أن شأنها ومقامها يختلفان عن سائر القبور.
ثم استشهد سماحته على هذا المعنى بذيل الفقرة الشريفة، حيث ورد:
 
«فَمَا أَحْلَى أَسْمَاءَكُمْ، وَأَكْرَمَ أَنْفُسَكُمْ، وَأَعْظَمَ شَأْنَكُمْ، وَأَجَلَّ خَطَرَكُمْ».
وأشار إلى أن هذا الذيل يكشف عن خصوصية الامتياز، وأن المقصود ليس الاشتراك في أصل الوصف، وإنما التفوق في المرتبة والشأن.
 
المعنى الثاني: تقدير أفعل التفضيل المحذوف
انتقل سماحته إلى معنى آخر يقوم على التقدير اللغوي، وهو أن في العبارة خبرًا محذوفًا دل عليه السياق.
فحين يقول الإمام (عليه السلام): «وذكركم في الذاكرين»، يكون التقدير: ذكركم في الذاكرين أحسن الذكر.
وكذلك قوله: «وأسماؤكم في الأسماء»، أي إن أسماءكم أحسن الأسماء، و«أجسادكم في الأجساد»، أي إن أجسادكم أحسن الأجساد.
وهكذا في بقية الأوصاف المذكورة.
 
وبيّن سماحته أن تقدير ألفاظ التفضيل، من قبيل «الأحسن» و«الأفضل»، مما يساعد عليه سياق الزيارة، الذي جاء في مقام بيان فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وعلو منزلتهم.
وعليه، فإن العبارة ليست في مقام الإخبار عن أمر يشترك فيه الجميع، بل في مقام إثبات الأفضلية لهم في جميع الجهات المذكورة.
 
المعنى الثالث: دخول مدحهم في كل مدح
ثم عرض سماحته معنى ثالثًا، حاصله أن كل مدح يرد في حق شيء من هذه الأشياء، فإن مدح أهل البيت (عليهم السلام) داخل فيه.
فما ذُكر شخص بمدح إلا وكان مدحهم في ضمنه، وما مُدح جسد إلا وكانت أجسادهم داخلة في ذلك المدح، وما مُدحت نفس أو روح أو اسم أو قبر إلا وكان لهم نصيب من ذلك المدح، بل هم أولى به وأكمل مصاديقه.
وأوضح سماحته أن هذا المعنى يرجع إلى كونهم سادة السادات وقادة القادات، فلا يُتصوّر كمال ممدوح في هذه الجهات إلا وكانوا في مقدمة المتصفين به.
 
وأشار إلى أن هذا الوجه قد ذكره السيد عبد الله شبر في كتابه الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة.
 
المعنى الرابع: عظمة ذكر الله لهم
ثم انتقل سماحته إلى معنى رابع، واستشهد له بقوله تعالى:
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وبيّن أن من المعاني المذكورة في تفسير الآية أن ذكر الله لعباده أعظم من ذكر العباد بعضهم لبعض.
فقد يشتهر الإنسان بين الناس بحسن أخلاقه أو صلاح أعماله، فيذكرونه بما صدر منه من فضائل، إلا أن ذكر الله تعالى له أعظم وأشرف من ذكر الناس.
ومن هنا، أشار سماحته إلى إمكان حمل قوله: «وذكركم في الذاكرين» على ذكر الله تعالى لأهل البيت (عليهم السلام)، لا مجرد ذكر الناس لهم.
 
ثم تناول هذا المعنى من الناحية اللغوية، موضحًا أن لفظ «ذكركم» يمكن أن يكون مصدرًا مضافًا إلى مفعوله، فيكون التقدير: ذكر الله لكم في الذاكرين.
وعلى هذا الوجه، يكون المعنى في بقية العبارات:
ذكر الله لأسمائكم في الأسماء، وذكر الله لأجسادكم في الأجساد، وهكذا في سائر الأوصاف.
وبذلك تكون خصوصيتهم في أن الله تعالى هو الذي يذكرهم، وذكره أعظم من كل ذكر سواه.
 
المعنى الخامس: الإشارة إلى العلة المادية للوجود
ثم تناول سماحته معنى خامسًا يرتبط بمقام الأنوار المحمدية، وربطه بما ورد في فقرة سابقة من الزيارة الجامعة الكبيرة:
«خَلَقَكُمُ اللَّهُ أَنْوَارًا فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ، حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا بِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ».
 
وذكر سماحته أن ما يظهر من الزيارة الجامعة وغيرها من الأحاديث هو أن الله تبارك وتعالى خلق أنوار محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) قبل خلق الوجود، وأن الوجود قد انبثق من أنوارهم.
وعلى هذا الأساس، أشار إلى أن أنوارهم تكون بمثابة العلة المادية للوجود، باعتبار أن الخلق قد نشأ من تلك الأنوار بإرادة الله تعالى.
ومن هنا، يمكن فهم قوله: «وذكركم في الذاكرين، وأسماؤكم في الأسماء، وأجسادكم في الأجساد» على أنه كناية عن ارتباط وجود الأشياء بأنوارهم، وأن لهم خصوصية في أصل التكوين والوجود.
 
وهذا المعنى يختلف عن المعاني السابقة؛ إذ لا يقتصر على بيان أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) على غيرهم، وإنما يتناول موقع أنوارهم من نشأة الوجود نفسه.
 
المعنى السادس: الإشارة إلى الولاية التكوينية
وختم سماحته ببيان معنى سادس، وهو أن هذه الفقرة الشريفة قد تكون إشارة إلى امتداد الولاية التكوينية لأهل البيت (عليهم السلام) ونفوذها في عالم الوجود.
وذكر أن لهم (صلوات الله عليهم) الولاية التكوينية على الأشياء، من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة، وربط ذلك بما لهم من علم الكتاب.
ثم استشهد بقصة آصف بن برخيا، الذي كان عنده علم من الكتاب، فاستطاع الإتيان بعرش بلقيس في زمن يسير، كما ورد في قوله تعالى:
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النمل: ٤٠).
وعلّق سماحته بأن من كان عنده علم من الكتاب استطاع أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، فكيف بمن عنده علم الكتاب كله؟
ثم أشار إلى أن قوله: «وذكركم في الذاكرين، وأسماؤكم في الأسماء، وأجسادكم في الأجساد» يمكن أن يكون إشارة إلى نفوذ ولايتهم في مختلف مراتب الوجود.
فحتى أسماؤهم لها تأثير في الأسماء، وأجسادهم لها تأثير في الأجساد، وقبورهم لها تأثير في القبور.
وبعبارة أخرى، فإن كل ما ينتسب إليهم له أثر فيما سواه، وهو ما يشير إلى امتداد ولايتهم ونفوذها في عالم التكوين.
وعليه، فإن المقصود من الفقرة، وفق هذا الاحتمال، ليس مجرد بيان مقامهم بين الناس، بل بيان سعة ولايتهم التكوينية وامتدادها في الموجودات.
 
الخلاصة
يتضح من مجموع ما قرره سماحة السيد منير الخباز (حفظه الله) أن الفقرة الشريفة من الزيارة الجامعة الكبيرة تحتمل ستة معانٍ:
١- التميّز: أن لأهل البيت (عليهم السلام) خصوصية وامتيازًا في ذكرهم وأسمائهم وأجسادهم وسائر شؤونهم.
٢-التفضيل: أن المقصود تقدير ألفاظ التفضيل، فهم أصحاب أحسن الذكر وأفضل المقامات.
٣-شمول المدح: أن كل مدح لكمال من الكمالات المذكورة يدخل فيه مدحهم، باعتبار أنهم أكمل مصاديقه.
٤-الذكر الإلهي: أن المراد ذكر الله تعالى لهم، وهو أعظم من ذكر الخلق.
٥- العلة المادية: أن العبارة تشير إلى ارتباط نشأة الوجود بأنوارهم الشريفة.
٦- الولاية التكوينية: أن العبارة تشير إلى امتداد ولايتهم ونفوذها في عالم الوجود.
وبهذا يظهر أن العبارة، وإن بدت في ظاهرها مشتملة على أوصاف مشتركة بين الناس، إلا أن وراءها دلالات أعمق تتصل بمقام أهل البيت (عليهم السلام)، سواء من جهة تميزهم في الكمال، أو من جهة ذكر الله لهم، أو من جهة ما لهم من خصوصيات في عالم التكوين.
ومن المهم الالتفات إلى أن سماحته عرض هذه المعاني بوصفها وجوهًا محتملة لفهم النص، وليس بالضرورة أنها جميعًا مرادة على نحو الجزم، أو أنها متساوية في قوة الدلالة. كما أن إثبات بعض المضامين العقدية، ولا سيما ما يرتبط بالعلة المادية والولاية التكوينية، يحتاج إلى بحث مستقل في الأدلة الروائية ودلالاتها.
وهكذا تتجلى أهمية التأمل في نصوص الزيارات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فإن بعض عباراتها قد تبدو واضحة لأول وهلة، لكنها تفتح عند التدقيق أبوابًا متعددة من البحث اللغوي والتفسيري والعقدي.
 
بقلم: زاهر حسين العبد الله

نعم
هل اعجبك المقال