البحث المتقدم

البحث المتقدم

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق ضحايا الإيزيديين: الوجبة الثانية

2 تقييم المقال

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق

ضحايا الإيزيديين: الوجبة الثانية

 

 

د. رائد عبيس

 

 

متى أكون قادراً على دفنهم من جديد بكرامة؟

من أعماق المأساة أن يتحول الضحايا الأبرياء إلى مجرد مادة بحثية لدراسة علاقتهم بالأحياء من أهلهم وذويهم، أو ليصبح الأحياء أنفسهم دليلاً يُستعان به للتعرف على تلك الرفات؛ وهو ما تتناوله "أنثروبولوجيا المقابر الجماعية" بوصفها حقلًا معرفياً يدرس هذه الآثار المعقدة التي تحتاج إلى احترافية عالية في التعامل مع المتغيرات المستجدة والحقائق الثابتة التي خلفتها تلك الجريمة، والتي حولت البشر إلى أشلاء مبعثرة على الأرض التي طالما عاشوا عليها.

هذا التساؤل الاستهلالي يعبر عن لسان أحد أبناء الضحايا الذي يتمنى استعادة رفات أهله لدفنهم بكرامة؛ إدراكاً منه بأن جرائم الدفن الجماعي اتسمت بالمهانة وامتلأت بانتهاكات مركبة ومضاعفة تسبب فيها التنظيم الإرهابي وأعوانه.

تمثل "أنثروبولوجيا المقابر الجماعية" تخصصاً معرفياً تكمن مهمته في تحليل شبكة العلاقات الجديدة التي نشأت بين الضحايا وذويهم. ومن المؤلم أن بعض الأهالي اضطروا للهجرة وتركوا خلفهم مصائر مجهولة لذويهم، يائسين وخائفين، ليواجهوا مواطن الحزن التي لم تخلف سوى الكآبة والموت البطيء وهم يقضون أعمارهم في ألم ترقب أي خبر عن ضحاياهم. وقد لجأ بعضهم إلى طي صفحة الماضي مبكراً بحثاً عن عالم جديد يحاولون فيه نسيان ميدان الجريمة؛ وهو سلوك مبرر تماماً بالنظر إلى حجم المخاطر والآثار النفسية المدمرة التي خلفتها هذه الانتكاسة الإنسانية في قيم العيش ضمن مكون اجتماعي لم يذق طعم الأمان طويلاً نتيجة تكرار "الفرمانات" التي استهدفت اقتلاع جذوره التاريخية في العراق.

وفي مواجهة هذه المأساة، بذلت الجهات الرسمية العراقية في بغداد وإقليم كردستان، إلى جانب فريق التحقيق الدولي التابع للأمم المتحدة المعني بجرائم داعش، جهوداً كبيرة لإصلاح الأضرار النفسية الجسيمة التي يعاني منها الأهالي أثناء بحثهم عن مصير أبنائهم. فالآثار النفسية قبل جلاء المصير هي الأكثر إيلاماً وثقلاً، بينما معرفة الحقيقة وتأمين مراسم دفن محترمة لذويهم تمنحهم قدراً مقبولاً من السكينة يخفف من حدة الضرر ويسهم في جبر الخواطر نوعاً ما، وإن كان هذا الألم يتحول لاحقاً إلى معاناة أخرى تتمثل في مسار الحصول على التعويضات والحقوق.

كانت هذه الجهود تتضاعف قبيل وعند إعلان كل وجبة جديدة من رفات المقابر الجماعية الإيزيدية؛ فمثلاً، عند الإعلان عن الوجبة الثانية التي بلغ عدد ضحاياها نحو 41 ضحية من أهالي سنجار ممن أعدمهم داعش في محيط المدينة، جرى إعادتهم إلى قرية "كوجو" حيث دُفنوا في 9 ديسمبر 2021 بمراسيم دينية خاصة تعيد الاعتبار للضحايا وتكرم ذويهم.

في كل مرة يُعثر فيها على مقبرة جماعية، تجد الدوائر الرسمية نفسها بحاجة ماسة للتواصل مع ذوي الضحايا لجمع عينات الحمض النووي لتسهيل التعرف على هوياتهم. وهنا تبرز تعقيدات تلك العلاقات الناشئة بين الضحايا وأهلهم، وبين الضحايا والتربة والمكان الذي دفنوا فيه، وصولاً إلى مسعى الجهود العلمية والآثارية في تحليل البيانات، ونقل الرفات، واستلامها وتسليمها، وصولاً إلى التشيع الرسمي والشعبي وإعادة الدفن. إنها رحلة طويلة ومعقدة من المعطيات التي تستوجب تحليلاً انثروبولوجياً عميقاً لما تركته هذه الجرائم من آثار قانونية، وعلمية، وبحثية، وتخصصية تبذلها الأطراف المعنية كافة لكشف الأدلة، وإحقاق الحق، وتحقيق الإنصاف، وجبر الخواطر، وترميم الشعور الوطني لدى أهالي الضحايا والناجين منهم.

 

 

 

نعم
هل اعجبك المقال