البحث المتقدم

البحث المتقدم

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق الضحايا الإيزيديون – الوجبة الثالثة

7 تقييم المقال

أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق

الضحايا الإيزيديون – الوجبة الثالثة

 

 

د. رائد عبيس

 

من الصعب جداً أن تتحول الأرض التي نعيش فيها إلى خارطة من المقابر الجماعية؛ فسنجار تلك المدينة التي يعيش فيها تنوع طائفي وديني منذ قرون من الزمن أورث الأخوة والقبول والانصهار في نشاط الحياة العامة التي يعيشونها يومياً.وأن يبحثون بين ربوع هذه الأرض ومناطقهم عن رفات أبنائهم وأهاليهم، ويتوقعون بين مسافة وأخرى أن يكتشفوا مدفناً يضمن هذا التنوع من التعايش ووحدة المصير. حيث إن كثيراً من المقابر الجماعية المكتشفة وغير المكتشفة -التي كان يتوقع أن يصل عدد ضحاياها إلى الآلاف من الأبرياء- كانت تضمن تنوعاً مكوناتياً، إذ وُجد فيها ضحايا من المكون الإيزيدي ومن المكون الشيعي، وبعضها الآخر خاص بمكون منهما، حيث بلغ عدد المفقودين من الشيعة الذين لم يُعثر على أحد منهم حتى اليوم بما يقارب 1300 ضحية من ضحايا المقابر الجماعية التي لم تكتشف بعد.

بينما كان الضحايا من المكون الإيزيدي يقاربون 5000 ضحية لم يُعثر على كثير منهم إلى الآن. قد نجدهم معاً في مقبرة جماعية ، تجمعهم وحدة هدف التنظيم الإرهابي "داعش"، وقد نجدهم متفرقين.

إن الميزة الجديدة التي تعمق البحث في قضايا أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق، هي تلك التي تبيّن الوحدة المصيرية لمكونات عراقية تؤكد على نحو خاص بأن الإرهاب لم يميز بين طائفة وأخرى، بل شمل الجميع في هذه الرقعة الجغرافية التي كانت مرتعاً لاستهدافاته.

وعلى الرغم من كل العوامل التي عززت نسيج الأخوة بعد وقوع كارثة احتلال داعش لسنجار ومقاماتها، والجرائم التي ارتكبت بحق المكونات التي يعدها عدوة له واستباح على أساسها مالهم وعرضهم ودينهم ومعتقداتهم وآثارهم ووجودهم، فقد رُسخت فكرة الهم المشترك، والبحث المشترك ، والقضية المشتركة في مجهول هذه المقابر الجماعية؛ منذ زمن وقوع الجريمة، وحتى اكتشافها، وما بعد اكتشافها، وآثارها الماثلة التي أصبحت شواهد انثروبولوجية عن رمزية الإبادة بكل أركانها الثلاثة.

كل وجبة من وجبات الإبادة الجماعية التي تعرض لها السنجاريون كانت تضفي خصائص انثروبولوجية جديدة على حيثيات البحث فيها، ولعلها تعقد من إشكالية البحث لحاجتها لتحليل معطيات ربما لم تتاح بعضها عن كل ما خلفه التنظيم، وما تخلف عنه من تعاملات وعلاقات ووقائع جديدة تسهم في تشكيل الانطباع العام عن معالم الحياة الجديدة بعد التحرير، وبعد سنوات طوال من كشف المصير.

أُكتشفت مقابر الوجبة الثالثة في كوجو  بسنجار – شنكال؛ حيث بلغ عدد الضحايا فيها 94 ضحية من الإيزيديين عام 2019 وبعد خمس سنوات من الفقدان والبحث في مصيرهم المجهول، والذي تحول إلى معلوم ولكن في مقابر جماعية أصبحت فيها هذه الحفر الملاذ لكل أمل في توقع أن تكون مكاناً لطي صفحة البحث الأليم عن كل الأحبة والأهل والجيران والأصدقاء، وهم يتساءلون عن أسباب كل تلك الجرائم التي وقعت بحقهم والتي باغتتهم بشكل صاعق ، لما تعرضوا له من هول الجرائم وكارثية الانتهاكات فيها.

فأصبحت الضحايا مكونات عينية لفئات اجتماعية حوتها تلك القبور المسماة جماعية ومكوناتية، حيث الاستهداف المشتمل لكل عناصر الإبادة بسبق الإصرار والترصد.

 

في أدناه صورة لموقع مقبرة الوجبة الثالثة من ضحايا الإيزيديين.

 

 

 

نعم
هل اعجبك المقال