أنثروبولوجيا المقابر الجماعية في العراق ضحايا الإيزيديين (الوجبة الأولى)
*حوارية (١٨٣)*
بقلم: *زاهر حسين العبد الله*
## بين احترام العلماء وتقديس الأشخاص
يُثار بين حين وآخر نقاش حول احترام العلماء والمرجعية الدينية، وهل يمكن أن يتحول هذا الاحترام إلى تقديس يعطّل العقل ويمنع النقد؟ وفي المقابل، هل يكفي كون العالم غير معصوم لتصبح مكانته العلمية ومواقفه محلًّا للطعن والتشكيك؟
إن الإجابة المنصفة تقتضي التمييز بين ثلاثة أمور أساسية: *العصمة، والحجية الشرعية، والحرمة الدينية*؛ فالمرجع ليس معصومًا، لكن عدم عصمته لا يُسقط حجية فتواه عمّن ثبتت لديه وظيفته الشرعية في تقليده، ولا يجعل الانتقاص منه أو اتهامه بلا دليل أمرًا مقبولًا.
## هل الرجوع إلى العلماء تعطيل للعقل؟
قد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (الأحزاب: ٦٧)، للتحذير من اتباع الرموز الدينية دون تفكير.
غير أن التحذير من الاتباع الأعمى لا يعني رفض الرجوع إلى أهل الاختصاص؛ فالعقل الذي يرفض التقليد غير الواعي هو نفسه الذي يدرك ضرورة رجوع غير المتخصص إلى المتخصص. وكما لا يُطالب الإنسان بأن يصبح طبيبًا ليأخذ برأي الطبيب، لا يُكلَّف كل مؤمن بأن يبلغ مرتبة الاجتهاد ليستنبط أحكام دينه.
وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢). والآية تؤكد أهمية التفقه والتعليم والإنذار الديني، وإن كانت دلالتها التفصيلية على حجية الفتوى موضع بحث أصولي.
## متى يكون النقد علميًّا، ومتى يتحول إلى إساءة؟
لا شك أن العلماء بشر، وأن اجتهاداتهم قابلة للمناقشة، ولا ينبغي أن تتحول مكانتهم إلى حاجز يمنع البحث العلمي أو يحول دون تصحيح الخطأ. لكن ثمة فرقًا بين من يناقش رأيًا فقهيًّا بأدلته، ومن يطعن في نزاهة صاحبه أو يتهمه في مقاصده دون بيّنة.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي...» [١].
إن هذه الكلمة ترسم مبدأً مهمًّا في العلاقة بين المسؤولية والنقد؛ فالنقد حق، لكن الإمام يربطه بالحق والعدل. ومن هنا، لا يصح أن نجعل كل اعتراض إساءة، كما لا يصح أن نمنح كل اتهام اسم النقد لمجرد أن صاحبه رفع شعار حرية التعبير.
كما ينبغي التفريق بين المرجع نفسه ومكتبه ووكلائه ومحبيه؛ فلا تُنسب إليه تلقائيًّا كل تصرفات المنتسبين إليه، ولا تُتخذ مكانته في المقابل ستارًا لتبرير تجاوز ثبت صدوره من أحدهم.
## منزلة العلماء بين الغلو والتفريط
إن رفض الغلو في العلماء لا يستلزم التقليل من شأنهم، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلّط عليهم إبليس وشيعته النواصب» [٢].
ويكشف تعبير «مرابطون في الثغر» عن عظم المسؤولية التي يضطلع بها العلماء في حماية العقيدة ومواجهة الشبهات. غير أن هذه المنزلة ترتبط بالعلم وأداء المسؤولية، لا بمجرد الألقاب أو المناصب.
وعليه، فإن احترام المرجعية ليس منحًا للعصمة، بل تقدير للعلم والجهد والمسؤولية الدينية، مع إبقاء المجال مفتوحًا لمناقشة الآراء وتقويم المواقف وفق الأدلة.
## حرية النقد لا تعني إباحة الاتهام
إن من حق الناس مناقشة مواقف العلماء والمرجعيات، والبحث في أدلتها ونتائجها، لكن الإنصاف يقتضي أن يكون هذا النقاش قائمًا على الوقائع الموثقة والحجج الواضحة، لا على الشائعات أو الأحكام المتسرعة.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦).
وهذه الآية تذكّرنا بأهمية التثبت قبل إصدار الأحكام، ولا سيما حين تتعلق الأخبار بسمعة الأشخاص ومكانتهم. فكما لا ينبغي أن يتحول حب العلماء إلى تعصب يمنع الاعتراف بالخطأ، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تحرير العقل إلى ذريعة لتسقيطهم أو التشكيك في نزاهتهم بلا دليل.
إن الموضوعية الحقيقية ترفض الغلو والتسقيط معًا، وتزن المواقف بمعيار واحد، بعيدًا عن تأثير العاطفة أو ضغط الخصومة.
## أين يقف العقل إذن؟
إن العقل ليس خصمًا للمرجعية العلمية، كما أن المرجعية الواعية لا ينبغي أن تكون خصمًا للسؤال العلمي. فالعقل يدعونا إلى الرجوع إلى أهل الخبرة، والتحقق من أهليتهم، ومعرفة حدود اختصاصهم، كما يدعونا إلى فحص الأدلة والتمييز بين الحجة والشائعة.
ولا يحتاج العلماء إلى من يمنحهم العصمة، ولا يحتاج احترامهم إلى إغلاق باب النقاش؛ بل يحتاج المجتمع إلى ثقافة توازن بين حرية البحث وأخلاق الحوار، وبين حق الاعتراض وواجب الإنصاف.
*وخلاصة الموقف: لا نقدّس المرجع تقديس المعصوم، ولا نسقط حرمته بحجة أنه غير معصوم؛ ولا نعطّل عقولنا احترامًا للعلماء، ولا نهدم مكانتهم باسم تحرير العقول.*
فالحق فوق الأشخاص، لكن ذلك لا يعني أن كل إنسان مؤهل للحكم في كل اختصاص، ولا أن أعراض العلماء وسمعتهم مباحة لكل متحدث.
إن المرجعية الواعية لا تخشى السؤال العلمي، والعقل المنصف لا يستبيح حرمة العلماء؛ وبينهما تُبنى الثقة على الدليل والبصيرة، لا على الغلو أو التسقيط.
والحمد لله رب العالمين.
---
## المصادر والشواهد
١. المازندراني، الملا صالح، شرح أصول الكافي، ج ١٢، ص ٤٥٠.
٢. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج ٢، ص ١٥٥.




تقييم المقال
