قلة هي الحيوانات والطيور التي تحدث عنها القرآن الكريم، وواحدة من تلك الطيور طائر الهدهد لسيدنا سليمان الذي تحدثت عنه سورة النمل، ومنشأ هذه السطور أني سمعت أحدهم يقول: إن هدهد سليمان لم يكن طائرًا، بل هو شخص اسمه الهدهد، فأذهلني هذا الحديث، وعزمت على التنقيب في قصة هذا الهدهد وعن الأساطير التي حيكت بخصوصه. وبلا ريب أن طائر الهدهد طائر عجيب وفريد، يبهر الناظر ويغري القارئ للاستماع عما نسج عنه من أساطير، فما هي أهم الأساطير التي تحدثت عن هدهد سليمان النبي؟ في البداية لم تصرح الآيات بأن الهدهد كان طيرًا، إلا أن السياق يشي بكونه مرتبطًا بالطيور، قال تعالى: "وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ"، فهل يعقل أن يكون الهدهد جنيًا أو جنديًا بشريًا؟ فالشيطان لم يكن من الملائكة لكنه عُدّ في خطاب السجود لآدم معهم لكونه مرتبطًا بهم في تلك الواقعة. من خلال المطالعات هناك من قال إن الهدهد كان جنيًا متحولًا في صورة هدهد، وكان مسؤولًا عن الاستخبارات، والخبر الذي نقله لسليمان عن عبادة مملكة سبأ هو من صميم تكاليفه ووظائفه، وهناك مسوغات لدى البعض أمام هذا الادعاء، منها أن الجن من جنود سليمان، قال تعالى: "وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، كما أن من خصائص الجن التحول والتشكل، فهل يكفي ذلك للإثبات؟
بعض كتب التفسير تنقل أن هذا الهدهد لديه مقدرة اكتشاف المياه الجوفية، وكأنه عالمٌ متبحرٌ يستطيع رصد هذه المواقع في عمق الصحراء، لهذا لم يكن سليمان في غنى عنه، ووجوده غاية في الأهمية؛ لذلك تفقده وسأل عنه لهذه الحاجة أو لحاجة أخرى، البعض استند إلى الآيات وأشار إلى أن الهدهد كان مؤمنًا موحدًا ولسانه ينطق عن علم بالعقيدة وكأنه عالم لاهوت ضليع متمرس، بعض الأخبار تشير إلى أنّ هدهد سليمان كان ملكًا على الطيور، وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى وجود تاج الهدهد الذي فوق رأسه، ولا نرى أنه يكفي لإثبات هذا المدعى، وما يظهر أنها معلومة يهودية دُست ضمن جوقة الإسرائيليات وتحتاج لمزيد من الإثبات. خاصة تلك المعلومة التي تقول إنه امتلك تاجًا ذهبيًا يرمز لمكانته!
البعض تساءل: لماذا فرض سليمان على غياب هذا الهدهد عقابًا صارمًا؟ إذ قال: "لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ"، تكهن البعض أن سليمان ظن بالهدهد أنه خان العهد، وانتقل لخدمة ملوك آخرين، غير أنّ الآيات لا تصرح بالدواعي والأسباب، وبلا شك يلزم أن يكون هذا العقاب متوافقًا مع حجم الجناية المتوقعة. البعض طرح سؤالًا: لِمَ يصر سليمان على وجود الهدهد، رغم أنّ لديه جيوش الجن؟ بعض المفسرين أشاروا إلى أن للجن وظائف محددة كالبناء والغوص، أما وظيفة المخابرات فكانت تحتاج لخفة ودقة وسرعة وهذا ما يتوافق مع طبيعة الهدهد الذي أرسله بكتابه لبلقيس.
لهدهد سليمان حكاية وردت في القرآن الكريم، ونحن في صدد نقل الآراء العجيبة التي تحدثت عن هذا الطائر السليماني، من خلال مطالعة الآيات في سورة النمل يتضح لنا أن سليمان لم يكن يعرف بأحوال مملكة سبأ، وأنه يجهل تفاصيل عبادة قوم بلقيس (ملكة اليمن)، وهذا ما يثبته قول الهدهد: "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين"، القصة القرآنية توضح أنّ سليمان لم يكن يعلم بعبادة أهل اليمن للشمس، حيث قال الهدهد: "وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّـه"، وكان رد سليمان قاطع بأنه غير عالم بمدعاه: "قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ"، ثم بعثه بكتابه ليختبر صدق مدعاه، وكان الهدهد هو الصادق الأمين في هذه الحكاية.
فهل فعلًا كان هذا الهدهد مجرد طير عادي؟ أم أن له شأن لدرجة أنه يكسب بطولة الحكاية وافلت من عقاب سليمان؟ بل ارتقى مقامه أنه أحاط بما لا يعلمه رغم ما أوتي من ملك؟ البعض شكك أن يكون الهدهد قطع المسافة من بيت المقدس إلى مملكة سبأ باليمن، إلا أنّ البعض منحه قدرات عجيبة سنتطرق لها بالتفصيل، منها معرفته لعذوبة المياه من عدمها وهي في تخوم الأرض، البعض قال ليس كل الهداهد لديها هذه المقدرة بل هي خاصية فريدة تفرد بها هدهد سليمان وهي منحة إلهية وتكرمه لكونه في خدمة سليمان النبي، ومن الأساطير الذي نقلت عن هذا الهدهد أنّ في رأسه جوهرة سحرية، من أسرارها اكتشاف مواقع المياه، وبعضهم قال: هي في يد سليمان، يمنحها للهدهد وقت الحاجة.
في بعض الإسرائليات إشارة أن الهدهد كان عين سليمان على الجن، وكان رقيبًا ومخبرًا لسليمان على من يتمرد منهم. بعض الأساطير الفارسية شطحت بمنزلة هذا الهدهد وأشارت أنه طائر سحري يحمي مملكة سليمان، ومن الأخبار الإسرائيلية أنّ لهذا الهدهد مقدرة في كشف هجوم الأرواح الشريرة غير المرئية أو الدجالين، فيطلق نفيرًا تحذيريًا كناية عن دون الخطر. وأشارت بعض المرويات الصوفية أنّ الهدهد كان يطوف السماء في الليل ليحذر سليمان من أي خطر قادم، بعض الأساطير تنقل محاورات جرت بين سليمان والهدهد رشحته أن يكون ملك الطيور، منها أن الهدهد أعلن إخلاصه لسليمان وأنه لا يخونه ولا يأكل إلا الحلال ولا يغدر بأحد من الطيور.
وهناك أساطير تقول أن هدهد سليمان بعد وفاة سليمان أخذ يبحث عن ملك يمتلك حكمة سليمان فلما لم يعثر على مثيل سليمان اختبئ في كهف من الكهوف البعيدة وهو لايزال حيًّا كالخضر ولكنه لا يظهر إلا للصالحين، وفي أساطير بعض الشعوب أن هدهد سليمان لا يشرب الماء، وهو أمر غريب يعتقده البعض رغم أنه لا يستقيم مع المنطق. بعضهم أشار أنه يستطيع استخلاص الماء من الهواء. نقل بعض المفسرين أمورًا عجيبة، منها أن هذا الهدهد كان لديه مقدرة الحديث بلغة البشر، إذا أراد مخاطبة سليمان، بعض التفاسير النادرة أشارت أنّ الهدهد يمتلك قدرة التحدث بجميع لغات الطيور والجن. ومن خلال مطالعاتنا عثرنا عن رأي لم نسمع به مت قبل، حول سبب غاب الهدهد عن اجتماع سليمان؟ البعض قال أن الهدهد كان محبوسًا في قفص لدى أحد الملوك، والبعض قال أنه كان يفتش عن طعام، والبعض قال أنه كان يبلغ رسالة التوحيد لجماعات من الطيور.
في المرويات اليهودية والإسرائليات تمتع هدهد سليمان بالكثير من الأسرار فمن العجائب أن هذا الهدهد يعلم أسرار النفوس وخبايا القلوب، لهذا يعد نادرة من النوادر العجيبة، وكان أثيرًا عند سليمان ويستعين به لمعرفة ما تنطوي عليه نوايا الملوك. بعض المرويات القديمة تقول أنه يمتلك كتاب الحكمة وقيل أنه بمتلك مفتاح المعرفة، وهو مفتاح سحري بواسطته يستطيع هذا الهدهد معرفة خبايا الأرض، وما اكتشاف مناطق المياه الجوفية إلا فلتة من فلتات مقدرته. وقيل في بعض الأساطير أنه يعرف مخابي كنوز الأرض، وكان هذا الهدهد ذراع سليمان الطولى في بلوغ تلك الكنوز.
البعض أشار أن له قدرات فائقة جعلت من سليمان يتخذه رسولًا للملوك في المناطق البعيدة. حتى أن في بعض الأساطير إشارة أن له قدرة على الطيران السريع دون توقف لدرجة أنه يستطيع قطع المسافة بين فلسطين واليمن في ساعات قليلة، وهذا أمر هين أمام قدرة من أحضر عرش بلقيس لسليمان في طرفة عين. حيث ورد في سورة النمل قوله تعالى: "قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ".
لو جمعت الأساطير التي رويت عن هدهد سليمان، لكانت هذه الحكايات مادة خامًا لإنتاجِ فيلمٍ بديعٍ مشوقٍ عن هذا الطائر السحري العجيب، بعض المرويات تقول إن سليمان منحه عدة ألقاب وعينه في عدة مناصب، منها أنه عينه وزيرًا للطيور في البلاط السليماني، والبعض قال إن منزله في قصر سليمان وله عش مدبج خاص به، فهو ذو رتبة ملكية، قيل إنه كان محبوب الجن وكانت الجن تستشيره في شؤونها. ومن خصائص هذا الهدهد السحرية التي تنقلها بعض المرويات القديمة، أنه يمتلك ريش الشفاء، فإذا وضع على أي جرح شُفي من فوره، وفي بعض الإسرائيليات أن لهذا الهدهد قدرة على اختراق الجدران ودخول القصور المغلقة، أما في بعض الأساطير الإسلامية فإنه يختفي مع غروب الشمس، فلا يرى إلا في ساعات النهار، في بعض الحكايات إشارة إلى أن الهدهد كان يحدّث النجوم وتدله على الاتجاهات الصحيحة، وفي بعض المرويات أن لديه قوة خارقة في النظر لأعماق البحار والمحيطات، حيث إنّ بصره ينفذ ليصل إلى مناطق مكوث الجن الغوّاص في أبعد نقطة تحت الماء. وفي الأساطير أنه كان في الأصل ملكًا للطيور ولكنه تنازل عن عرشه لسليمان وانصاع إليه.
ربطت بعض الروايات النادرة بين هدهد سليمان وطائر العنقاء، حيث تشير الرواية إلى أن سليمان أمر الهدهد أن يفتش عن هذا الطائر العجيب ويجلبه له، غير أن الهدهد فشل في مهمته ولم يعثر على طائر العنقاء، وبعض الأساطير العربية تفسر لنا عدم جلبه لسليمان حيث تقول إن الهدهد هو طائر العنقاء لكنه تخفى بهذه الصورة ليتكتم على هويته، والمعروف لدى العرب أن العنقاء إذا احترقت تبعث من جديد. وقد عثرت في بعض المرويات على أن ملكة سبأ اندهشت من هذا الهدهد، فلما رأت براعته وذكاءه رغبت في الاحتفاظ به وحبسته في قفص عندها، لكنها أطلقته حين قرأت كتاب سليمان.
في بعض أساطير الشعوب أن هذا الهدهد يمتلك مفاتيح أبواب الجنة، وكان يذهب إلى الحكماء ليمنحهم الحكمة. ومما قيل في الأساطير الشعبوية إنه طائر الحظ، فإذا ما شوهد فإنّ في تلك الرؤية بشارة عن أخبار سعيدة ومفرحة ستقبل على هذا الرائي. ومن أساطير الشعوب أنّ الهدهد رسول السحراء فإذا وقف الهدهد على منزل أحدهم فهذا يعني أنّ في هذا المنزل سراً عظيماً، وفي بعض الأساطير أنّ الهدهد رمز الدهاء والخداع، وأن لديه القدرة على تخليص نفسه من أي ورطة يقع بها بفضل حنكته ودهائه. وفي أسطورة طالعناها أنه إذا وضعت ريشة هدهد تحت الوسادة فإن الحالم يرى المستقبل القادم في منامه.






