البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٦ شعبان ١٤٤٧

من هي الأمة الواحدة في القرآن الكريم؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم :

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ …(1)

 

عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:

كان الناس قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضالين فبعث الله النبيين. (2)

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام : قال كان هذا قبل بعث نوح كانوا أمة واحدة فبدا لله فأرسل الرسل قبل نوح (عليه السلام) ، قيل أعلى هدى كانوا أم على ضلالة ؟ قال بل كانوا ضلالا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين.(3)

 

يتبين من خلال هاتين الروايتين - وروايات أخرى لم نسردها للاختصار - أن زمان هذه الأمة كانت بعد الفترة التي تلت النبي آدم إلى ما قبل بعثة النبي نوح عليهما السلام .

 

وأنها - هذه الأمة - كانت لا على ضلال ولا على إيمان ، فهي بقيت على دين التوحيد الفطري لله تعالى الذي يولد عليه الإنسان ، ولغتها واحدة .

 

بعد مدة من الزمن - أي قبل بعثة النبي نوح عليه السلام - اختلفوا وانحرفوا عن التوحيد الفطري، فانقسمت عقائدهم بين التوحيد والشرك والكفر .

 

يقول السيد الطباطبائي :

في ذيل حديث الإمام الباقر عليه السلام [لم يكونوا على هدى كانوا على فطرة الله] ، يفسر معنى كونهم ضلالا المذكور في أول الحديث ، وأنهم إنما خلوا عن الهداية التفصيلية إلى المعارف الالهية ، وأما الهداية الإجمالية فهي تجامع الضلال بمعنى الجهل بالتفاصيل كما يشير إليه قوله ( عليه السلام ) في رواية المجمع المنقولة آنفا : على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا. انتهى. (4)

 

حتى لو كانوا على نهج العبودية الفطرية التي فطر الناس عليها ، تبقى عقيدتهم ناقصة ، تشوبها الكثير من التناقضات والانقسامات ، وذلك بسبب الجهل المتفاوت في عقول بعض الناس ، وميولهم  الفكري المتباين ، والعوامل النفسية المختلفة ، مع وجود الأنفس الشريرة المتمادية في الظلامات ، والمتوغلة في الرذائل والمنكرات .

 

فهم بحاجة إلى ركيزة عقائدية سليمة؛ تُرَمِم وتُصَحِح لهم منهاجهم ومعتقدهم، من خلال القانون الإلهي ، والشريعة الحقّة ؛ فتنجلي لهم النواهي والأوامر التي تستقيم بها حياتهم وتسلَم مبادئهم.

 

وهذا القانون أو الشريعة أو الدستور لا يأتي عفوياً، أو باجتهادٍ شخصيٍ أو حتى جماعي.

 

يقول الشيخ مكارم الشيرازي في ذيل الآية التي افتتحنا بها البحث :

"يستفاد من الآية أعلاه ضمنيا أنّ الدين والمجتمع البشري حقيقتان لا تقبلان الانفصال ، فلا يمكن لمجتمع أن يحيي حياة سليمة دون دين وإيمان بالله وبالآخرة ، وليس بمقدور القوانين الأرضيّة أن تحلّ الاختلافات والتناقضات الاجتماعيّة لعدم ارتباطها بدائرة إيمان الفرد وافتقارها التأثير على أعماق وجود الإنسان ، فلا يمكنها حل الاختلافات والتناقضات في حياة البشر بشكل كامل ، وهذه الحقيقة أثبتتها بوضوح أحداث عالمنا المعاصر ، فالعالم المسمّى بالمتطوّر قد ارتكب من الجرائم البشعة ما لم نَرَ له نظيراً حتّى في المجتمعات المتخلّفة". انتهى (5)

 

إذن لابد من وجود نبي مرسل من قبل الله تعالى ؛ ينشر التعاليم الدينية ، ويرشدهم إلى الهدى.

 

وبما أنهم كانوا منغمسين في تلك الإختلافات العقائدية ، أرسل الله تعالى إليهم النبي نوح عليه السلام ، ليبدأ التكليف الشرعي في الأحكام ، ومبدأ الثواب والعقاب في الواجبات والمحرمات .

 

منهم من اتبع النبي نوح عليه السلام وهم فئة ضئيلة جداً ، حتى ذُكِرَ أنهم سبعين أو ثمانين نفرا .

 

وأما الغالبية فلم يؤمنوا برسالته ونبوته - رغم طول مدتها إلى تسعمائة وخمسون عاما - ومنهم من جعل لله آلهة أخرى يعبدونهم من دون الله تعالى ، ومنهم من كفر.   

 

قال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.

 

قال السيد الطباطبائي (( البشر ليس إلاّ أُمة واحدة ؛ لها رب واحد هو الله عز اسمه ، ودين واحد هو دين التوحيد يعبد فيه الله وحده قطعت به الدعوة الإِلهيه ؛ لكن الناس تقطعوا أمرهم بينهم وتشتتوا في أديانهم واختلقوا لهم آلهة دون الله وأدياناً غير دين الله ، فاختلف بذلك شأنهم وتباينت غاية مسيرهم في الدنيا والآخرة. (6)

 

الخلاصة :

إن هذه الأمة بقيت مدة من الزمن واحدة على التوحيد الفطري ، لكنها اختلفت بعد ذلك ، فبعث الله تعالى النبي نوح عليه السلام ، ثم بدأت الدعوة التوحيدية الصحيحة المستندة إلى كتاب مقدس ، ونبي مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى .

 

قال تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ .

 

وكان النبي نوح عليه السلام صاحب أول شريعة يأتي بكتاب منزل من الله تعالى ، وهو من الأنبياء أولوا العزم وأولهم ، وكانت رسالته عامة لجميع البشرية في الأرض .

 

والحمد لله رب العالمين الذي أنقذ عباده من الشرك والضلال ؛ بأنبيائه المرسلين عليهم السلام .

وأنقذنا ؛ بنبينا الأمين خاتم المرسلين محمد وآله المعصومين .

 

محمد فرج الله الأسدي

29/1/2026 م

9/شعبان/1447 هـ

 

الهوامش:

1- اليقرة /213 .

2- بحار الأنوار: ج11- ص10.

3- تفسير الصافي-ج1- ص251.

4- تفسير الميزان ج2- ص143.

5- الامثل ج2 - ص58 .

6- الميزان ج14- ص171.

مواضيع ذات صلة