تحتلّ الأخوّة في الموروث الدّيني مكانة بالغة الحساسيّة، إذ تتجاوز رابطة الدّم لتغدو رابطة قيم، وتحمّلًا للمسؤوليّة، ومجالًا لابتلاءات تكشفُ عن وفاء النّفس وصفائها، وفي سياق هذا المعنى، تشكّل قصّتا يوسف وبنيامين في القرآن الكريم، والحسين والعبّاس (عليهما السّلام) في التّراث الإسلامي نماذجَ رمزيّة عميقة، تتواشجُ فيما بينها رغم اختلاف الأزمنة والسّياقات، لتكشف عن وحدة البنية الأخلاقيّة التي تمنح الأخوّة بعدها الرّوحي.
تُعدّ قصّة النّبي يوسف (عليه السّلام) وأخيه بنيامين في القُرآن الكريم من أهمّ القصص التي تُظهر مَعْنى الأخوّة، فبنيامين لم يُذكر كثيرًا في سورة يوسف، إلا أنّ التّلميح الذي ورد كان كافيًا ليكشف سر العلاقة بينهما، و يرسم صورة أخ يلتقي بأخيه في مساحة من الحنان والعطف والثّقة والحماية والوفاء، ولذلك تجاوزت الأخوّة في القُرآن الكريم المَعاني العائليّة إلى أبعاد نفسيّة وأخلاقيّة وروحيّة، جعلت من قصّة النّبي يوسف وأخيه مثالًا فريدًا للوفاء المُمتد رغم الألم والفقد، وفضلًا عن البُعد الزّمني والاختلاف الظّاهري بين قصّة النّبي يوسف وأخيه بنيامين وقصّة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العبّاس (عليهما السّلام)، فإنّ القيم الجوهريّة التي تجلّت في كلا القصّتين تتيح مساحة لموازنة روحيّة تستحقُ التّأمل.
أولًا: يوسف وبنيامين — مواقف الابتلاء والصّبر
1. الابتلاء كآليّة لتمحيص القلوب: في قصّة النّبي يوسف (عليه السّلام)، تتبدّى الأخوّة في تجربة قاسية، حيث تتعرّض العلاقة الأخوية لاختبار الحسد والغيرة قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ يوسف: 5، ما يفضي إلى انفصال يوسف عن أسرته، وسط هذه الخلفيّة القاتمة، فيظهر بنيامين بوصفه الأخ الأقرب إلى يوسف عاطفةً ومكانةً، والمُشارِك له في الألم والوداعة.
2. بنيامين رمز البراءة الصّامتة:
يُمثّل بنيامين النّموذج الأخوي الذي لا يُسمع صوته غالبًا، لكنّه حاضر في النّص بوصفه مرآةً ليوسف، من حيث الهدوء، والطّهر، والانتساب لوالدة واحدة، وهكذا تصبح علاقتُهما رمزًا للأخوّة التي تنجو من محنة التّمزق العائلي ممتلئةً بالوفاء والصّبر.
3. لقاء الأخوين — لحظة ترميم الرّوح:
إنّ لقاء الأخوين لم يكن مجرد مشهد لقاء عائلي، بل لحظةَ شفاءٍ لجرح طويل؛ فهما يعيدان ترميم خيط الأخوّة المقطوع ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يوسف/69، لتشرق من خلالهما قيم العفو، والحنان، وإعادة بناء الرّوابط المُمزقة.
ثانيًا: الإمام الحسين والعبّاس (عليهما السّلام) — جهاد الأخوّة وسمو التّضحية
1. أخوّة قائمة على التّكليف الرّسالي:
يمثّل الإمام الحسين (عليه السّلام) وأخوه العبّاس مثالًا آخر للأخوّة، يقوم على المشاركة في الموقف والرّسالة، لا على مجرد المشاعر العائليّة، فالأخوّة هنا تتخذ بُعدًا جهاديًا وأخلاقيًا، يتجسّد في موقف العبّاس إلى جانب أخيه الحسين (عليهما السّلام) في كربلاء.
2. العبّاس حامي أخيه:
عُرف العبّاس (عليه السّلام) بصفته "ساقي عطاشى كربلاء" و"بطل اللّواء"، وهي صفات تؤكّد مركزيّة دوره كعمود حماية، وحامل وفاء، وأخٍ يرى أنّ قمة ولائه أنْ يقدّم ذاته فداءً للحسين، ما يجعل العبّاس رمز الأخ الذي يذوب في أخيه محبةً وواجبًا.
3. لحظة الفقد — ذروة الرمزيّة
لم يكن موقف استشهاد العبّاس (عليه السّلام) كحدث خسارة عسكرية بل كتمزّق روحي؛ فالعبّاس لم يكن مجرد ناصر، بل آخر الجسور التي تربط الحسين بالعائلة، وبذلك تتحول لحظة الفقد إلى قمة تصوير الأخوّة المتجذرة في التضحية والسّمو الأخلاقي، وهذا ما جعل (السّيد جعفر الحلّي) يصف هذا الموقف في قوله:
((وهوى بجنبِ العلقميّ فليته للشاربين به يُدافُ العلقم
فمشى لمصرعه الحسين وطرفُه بين الخيامِ وبينه مُتقسّم
ألفاه محجوب الجمال كأنّه بدرٌ بمنحطمِ الوشيج مُلثّمُ))
ومما تقدّم نلحظ أن عِلاقة الأخوّة في قصّة النّبي يوسف وبنيامين ارتبطت بألم الفقد والعَناء من الغِياب القاسي الذي امتدّ لسنوات طويلة، فقد عبّر القرءان الكريم عن ذلك المشهد تعبيرًا مُباشرًا مُحمّلًا بالدفء، مُبشّرًا بإعادة بناء الرّوابط التي لم يستطع الزّمن إضعافها.
ومثل ذلك موقف الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العبّاس (عليهما السّلام) مع أنّه لم ينطلق من الفقد، بل من المسؤوليّة المُشتركة تجاه واجب ديني إنساني، طَالَبَ فيه الإمام الحسين (عليه السّلام) بإصلاح أمّة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بمساندة أخيه العبّاس (عليه السّلام) وتضحياته، حتّى قال الإمام الصّادق (عليه السّلام): ((كان عمّي العبّاس بن علي عليه السّلام نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاء حسنًا، ومضى شهيدًا)) العبّاس بن علي عليهما السّلام، باقر القرشي ج1/41، وبذلك فإنّ رابطة الأخوّة تميّزت بالقوّة عند الشّدائد، مما جعل القصّتين _على اختلافهما_ تُظهران أهمّية التّماسك الأخوي عند المِحن.
فضلا عن ذلك يظهر في قصّة النّبي يوسف (عليه السّلام) جانب الحماية والوقاية وهو (يؤوي) أخاه بنيامين، في تقريبه وحفظه من اضطراب الموقف، هذا الاحتواء الرّوحي الذي تجاوز لحظة اللّقاء، ليعيد النّبي يوسف لأخيه الأمان بعد الفراق والقلق الذي قادت إليه الظّروف، ولا سيّما في اتهامه بالسرقة، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ يوسف 77.
أمّا في كربلاء فقد تجلّت الحِماية في أشدّ صورها، فلم يكن العبّاس (عليه السّلام) كأخ فقط، بل كان الحارس والحامي لأخيه الأكبر سيد الشّهداء (عليه السّلام)، حتّى تحوّلت حمايته لأخيه إلى موقف وجودي، قدّم فيه الإمام العبّاس (عليه السّلام) كلّ ما تطلّبه الواجب.
إنّ رمزية الأخوّة في التّراث الدّيني، من يوسف وبنيامين إلى الحسين والعبّاس (عليهما السّلام)، تفتح أمامنا أفقًا لفهمٍ أعمق لعلاقةٍ لا تتحدد بالدم وحده، بل بالشعور، والموقف، والصبر، والتضحية، إنها أخوّة تُعيد تعريف معنى القرب بين البشر، وتكشف عن قدرة الرّوابط الروحيّة على النّجاة من محن الحسد أو الفقد أو الظّلم، وهكذا تغدو هذه النماذج الدينية مراجع حيّة لقراءة الأخوّة كقيمة إنسانية شاملة، تتجاوز الأزمنة لتظل منارة للوجدان الإنساني في كلّ عصر.






