التحذير من خطورة الفكر التكفيري الإرهابي دعوة المجتمع الدولي والإسلامي للتصدي له في مطلع عام 2014، كانت خطب الجمعة في النجف وكربلاء أشبه ببيانات إنذار مبكر. لم تكن كلمات عابرة في سياق ديني تقليدي، بل رسائل سياسية وأمنية واضحة، تُقرأ بعيون مفتوحة على اتساع النار التي كانت تتمدد في جسد الدولة.
في الثالث من كانون الثاني، دعت المرجعية الدينية العليا جميع مكونات الشعب إلى الوقوف خلف القوات المسلحة في مواجهة ما وصفته بـ«القوى الظلامية المنحرفة». لم يكن الخطاب موجهاً إلى طائفة بعينها، بل إلى وطن بأكمله. الرسالة كانت صريحة: المعركة ليست معركة فئة، بل معركة وجود دولة في مواجهة تنظيمات لا تعرف سوى القتل والدمار، وتختبئ زوراً خلف لافتة الدين، فيما الإسلام منها براء.
بعد أسبوع واحد فقط، ارتفعت نبرة التحذير. لم يعد الخطر عراقياً فحسب، بل إقليمياً. المرجعية حذّرت الدول الإسلامية من تمدد ظاهرة الإرهاب والفكر المتطرف في الشرق الأوسط، مؤكدة أن هذه الممارسات شوّهت سمعة الإسلام وأغرقت المنطقة في دوامة دماء وعدم استقرار. كان الخطاب هنا يتجاوز حدود الجغرافيا، ليرسم صورة لمستقبل قاتم إذا لم تتكاتف الدول في مواجهة التطرف، ويضع «الفكر الوسطي المعتدل» بوصفه خط الدفاع الأول عن المجتمعات.
وفي السابع عشر من الشهر ذاته، اتسع الإطار أكثر.
(الإرهاب) بحسب توصيف المرجعية، لم يعد شأناً عراقياً أو إقليمياً، بل بات قضية دولية بامتياز. التفجيرات واستهداف الأبرياء وتفجير مجالس العزاء لم تعد أحداثاً متفرقة، بل نمطاً عالمياً يفرض على المجتمع الدولي أن يتحرك بجدية لوضع حلول جذرية، لا بيانات إدانة عابرة. التحذير كان واضحاً: إذا لم تُبذل إمكانات حقيقية للقضاء على الإرهاب، فإن نتائجه ستكون وخيمة، ولن تقف عند حدود دولة بعينها.
ومع دخول شهر آذار، عادت المرجعية إلى الداخل، لتضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم. دوامة العنف ما تزال تحصد الأرواح وتخلّف أيتاماً وأرامل ومعوقين، فيما أحلام التنمية تتراجع تحت وطأة الانفجارات. هنا لم يقتصر الخطاب على التشخيص الأخلاقي، بل أشار إلى أسباب محددة، في مقدمتها الحاجة إلى تفعيل الجهد الاستخباراتي بجدية، بوصفه حجر الأساس في منع التفجيرات قبل وقوعها.
بهذه المواقف المتتابعة، رسمت المرجعية خطاً بيانياً واضحاً: تعبئة وطنية خلف القوات الأمنية، تحذير إقليمي من تمدد التطرف، دعوة دولية لتحمل المسؤولية، وضغط داخلي على صانع القرار لوقف نزيف العنف. لم تكن تلك الخطب مجرد وعظ ديني، بل قراءة مبكرة لطبيعة المرحلة، ومحاولة لدفع الجميع — شعباً ودولة ومجتمعاً دولياً — إلى إدراك أن الإرهاب إذا لم يُواجَه بفكر معتدل وإرادة حازمة، فإنه سيتحول من أزمة إلى قدر ثقيل يطول أمده.






