البحث المتقدم

البحث المتقدم

٢٨ شعبان ١٤٤٧

من أساطين علمائنا...الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه)

 

هو رئيس المحدثين والشيخ الأقدم أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الملقّب بالصدوق (قدس الله سره). يعدُّ الشيخ الصدوق من روَّاد علم الحديث. وكان والده الجليل ابن بابويه القمي أحد الفقهاء العظام الذين عاشوا في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف). كان الإمام العسكري (عليه السلام) يخاطبه عند مراسلته: شيخي ومعتمدي وفقيهي.

    ويزيد الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) فخرا أن الإمام العسكري (عليه السلام) قد وصفه بالولد العالم حين كتب إلى والد الشيخ رسالة جاء فيها:

   "بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا اله إلا الله أحسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين. أما بعد أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي-أبا الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته، وجعل من صلبك أولادا صالحين برحمته- بتقوى الله وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنه لا تقبل الصلاة من مانعي الزكاة، وأوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ وصلة الرحم، ومواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقُّهِ في الدين، والتثبت في الأمور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... واجتناب الفواحش كلِّها، وعليك بصلاة الليل، فأن النبي (صلى الله عليه واله) أوصى عليا (عليه السلام) فقال ثلاثا: يا علي، عليك بصلاة الليل. ومن استخف بصلاة الليل فليس منا، فاعمل بوصيتي وأمر شيعتي حتى يعملوا عليها، وعليك بانتظار الفرج، فان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أفضل أعمال امتى انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشَّرَ به النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا. فاصبر يا شيخي وأمر جميع شيعتي بالصبر فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته وحسبنا الله نعم المولى ونعم النصير" (القمي، 2009: 5).

      بلغ أبو الشيخ الصدوق (رضي الله عنهما) الشيخوخة ولم يرزق بمولود. ثم جاءته رسالة من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال له فيها: "إن الله سيوفقك لما فيه مرضاته وسوف يعينك بولد صالح." 

         كان آل بابويه اسرة قيل عنها أنها "بيت العلم والجلالة". كان جده الأدنى موسي بن بابويه من الثقات الرواة، وقد أنجب ولدين وهما الحسين، ومحمد. وكان أبو الشيخ فقيها ومحدثا، عاش في زمن الامامين العسكري (عليه السلام) والمهدي (عجل الله فرجه الشريف) وكان محلا لاحترامهما. ولد الشيخ الصدوق في مدينة قم المقدسة سنة 306 هجرية

فنشأ تحت رعاية أبيه الذي كان أعلم الناس في زمانه وأتقاهم. درس على مشايخها.

 

      سنة 338 هجرية هاجر إلى الري نزولا عند رغبة أهلها. بقي في الري حتى سنة 352. ثم استأذن من الملك ركن الدولة البويهي لزيارة الامام الرضا (عليه السلام). وبعد الزيارة ذهب إلى نيسابور وسمع من مشايخها. وفي تلك السنة رحل إلى بغداد ودرس على جمعٍ من مشايخها.

    وفي سنة 354 هجرية جاء إلى الكوفة ودرس على جماعة من مشايخها. وفي تلك السنة حج البيت الحرام فحدثه أبو علي البيهقي في بلدة فيد في الحجاز، ثم ذهب إلى مدينة همذان وسمع من شيوخها.

   سنة 355 دخل بغداد مرة أخرى. ثم ذهب إلى بلاد ما وراء النهر وإلى بلخ وسمع من مشايخها. ثم ذهب إلى سرخس ودرس على مشايخها، ثم إلى مدينة إيلان والتقى بالشريف محمد بن الحسن بن اسحق بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) فأطلعه على كتاب بعنوان (من لا يحضره الطبيب) وطلب منه أن يصنف كتابا على منواله في الفقه والشرائع والأحكام. فألَّفَ كتابَه المشهور(من لا يحضره الفقيه) وهو أحد الكتب الأربعة المعتمدة عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ويعدُّ المرجع الأعلى للفقه الجعفري.

        والشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) أحد أصحاب الكتب الأربعة ومن المحدثين الثلاثة.

كان من بين تلامذته الشيخ المفيد ووالد النجاشي والسيد المرتضى وغيرهم.

    أقوال العلماء فيه:

يقول الشيخ الطوسي في كتاب الفهرست: "أبو جعفر ابن بابويه الشيخ الجليل وحافظ الأحاديث وعالم بالرجال وناقل لروايات أهل البيت (عليهم السلام). لم يوجد مثله من بين علماء قم في الحفظ وكثرة العلم، وله ما يقارب 300 كتابا."

      ويقول عنه النجاشي في كتاب الرجال: "الصدوق شيخنا وفقيه الشيعة في خراسان والري وقد قدِمَ في سنة 355 وهو في عزِّ شبابِه إلى بغداد حيث انهال عليه علماء الشيعة للاستماع إليه".

   وقال عنه الخطيب البغدادي؛ نزل في بغداد وحدث بها عن أبيه. وكان من الشيوخ الموالين لآل البيت (عليهم السلام) ومن مشهوري الرافضة.

   وقالل عنه ابن ادريس (رضوان الله عليه) في كتابه (السرائر): "كان ثقة جليل القدر، بصيرا بالأخبار، ناقدا للآثار، عالما بالرجال، وهو استاذ شيخنا المفيد."

   وقد أطرى عليه ابن شهراشوب في كتابه معالم العلماء، والسيد ابن طاووس في كتابه الاقبال والمحقق الحلي في مقدمة المعتبر، والعلامة الحلي في كتابه خلاصة الأقوال.

     وقال عنه أبو داود في رجاله: "أبو جعفر الصدوق جليل القدر بصير بالفقه والأخبار، شيخ الطائفة وفقيهُها بخراسان، له مصنفات كثيرة."

  وقال عنه السيد الخونساري في روضات الجنان "الشيخ المعلِّم الأمين، عماد الملة والدين، رئيس المحدثين... أمره...أوضح من أن يَحتاجَ إلى بيان، أو يفتقرَ إلى تقرير القلم في مثل هذا المكان.  

 

    ومن العلماء الآخرين الذين حظي الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) باطرائهم له:

-    وَصفَهُ فخر المحققين بالشيخ الامام، والشهيد الأول بالإمام ابن الامام الصدوق، والشيخ علي بن هلال الجزائري بالصدوق الحافظ، والمحقق الكركي بالشيخ الفقيه الثقة إمام عصره، والشيخ ابراهيم القطيفي بالشيخ الصدوق الحافظ، والشهيد الثاني بالشيخ الامام العالم الفقيه الصدوق، والشيخ البهائي في الدراية برئيس المحدثين حجة الاسلام، والمحقق الداماد بالصدوق ابن الصدوق عروة الاسلام، والمجلسي الأول بالامام السعيد الفقيه، ركن من أركان الدين، والمجلسي الثاني بالفقيه الجليل المشهور، والحر العاملي بالشيخ الثقة الصدوق رئيس المحدثين، والسيد هاشم البحراني بالشيخ الصدوق وجه الطائفة ورئيس المحدثين الثقة(الصدوق، 2005: 7-8). 

 

مؤلفاته (رضوان الله تعالى عليه):

يُستفاد من خلال الاطلاع على مؤلفات الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) أنه كان يأخذ الرواية عن كثير من العلماء الأجلاء. فقد كان جل أساتذته من أفذاذ العلماء الذين تُشد إليهم الرحال من مختلف البلدان (القمي، 2009: 6). 

     لقد استفادت الأمة من مؤلفات الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) منذ تأليف تلك الكتب وحتى وقتنا الحاضر. كان من الأشخاص صاحبي السفر الروائي. فقد كان يتحمَّل المشاق الكثيرة والصعاب الشديدة في سفره إلى البلدان المختلفة لأجل جمع الأحاديث والروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام).

   ورغم أنه ألف أكثر من 300 من الكتب، لكن لم يصلنا إلا ما لا يتعدى العشرين منها، نذكر منها:

 من لا يحضره الفقيه، علل الشرائع، ثواب الأعمال، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، صفات الشيعة، كمال الدين وتمام النعمة، الأمالي (أي ما كان يمليه في مجالسه)، الاعتقاد، التوحيد، الخصال، وغيرها.

 وفاته (رضوان الله عليه):

توفي الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) في بلدة الري سنة 381 بعد أن بلغ من العمر نيفا وسبعين عاما، بعد الخدمات الجليلة التي قدمها والجهود العظيمة التي بذلها من أجل إعلاء كلمة الله وبعد الآلام الكثيرة التي تحمّلها في هذا الطريق المقدس. دُفن في جوار حضرة السيد عبد العظيم الحسني (رضوان الله عليه). ولمرقده كرامات عديدة.

 

المصادر:

-    الزركلي، خير الدين،2007، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين الجزء السادس الطبعة السابعة عشرة. بيروت: دار العلم للملايين.

-    الصدوق، الشيخ الأقدم والمحدث الأكبر أبو جعفر، 1426 هـ| 2005 م، عيون أخبار الرضا الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

-    الصدوق، الشيخ الأقدم والمحدث الأكبر أبو جعفر، 1428| 2007، علل الشرائع. بيروت: منشورات الفجر.

-    القمي، أبو جعفر، 1430 هـ - 2009 م، كمال الدين وتمام النعمة. بيروت: منشورات الفجر.

                  

بقلم:       د. حميد حسون بجية المسعودي

مواضيع ذات صلة