الكتابة عن أحد علماء المرجعية ، فعل معرفي مؤثر، كونه يسلط الضوء على الجوانب الفكرية والشخصية التي شكلت مسيرته الحياتية، ونتعلم منها ما ينفع حياتنا الخاصة والعامة. والسيرة ليست سردًا للأحداث بقدر ما هي محاولة لقراءة روحية التفاعل الإنساني ، وتقديم رؤية تثري التدوين، وتغني الذاكرة الثقافية.
الشيخ محمد جواد محفوظ هو جد المؤرخ العراقي المعروف حسين علي محفوظ (رحمه الله) . ولد الشيخ محمد جواد في الكاظمية سنة 1281 هـ ودرس عند فضلائها، وكما هو شأن كثير من العلماء الذين قرأنا سيرهم ، لم يقف الشيخ جواد عند الحدود المحلية بل ظل يسعى إلى منبع العلم أينما كان.
هاجر إلى سامراء سنة 1306 هـ للتحصيل العلمي، فقرأ على يد السيد إسماعيل الصدر، والميرزا حسن النوري، ولازم السيد محمد الاصفهاني، وحضر عند السيد محمد حسين الشيرازي، ثم رحل سنة 1309 هـ إلى النجف ، حاملًا طموحًا أكبر ، وباحثًا عن أساتذة جدد وأفق أوسع، والنجف بما تحمل من تاريخ ومن معنى كانت فضاء اكتمال العالم.
تتلمذ في النجف على يد الشيخ علي رفيش ، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، ثم عاد إلى سامراء ، ومنها استأذن السيد الشيرازي في الرجوع إلى (الهرمل) البلدة اللبنانية التاريخية التابعة لقضاء بعلبك مدينة أجداده . استوطنها برهة، ثم عاد إلى الكاظمية، وتنقل بين مدن عدة منها بلد، وكربلاء وطويريج، قبل أن يعود إلى الهرمل ثانية ليستقر فيها حتى وفاته .
ويمكننا أن نكتشف، من هذه السطور من حياة هذا العالم بحثه الدائم عن العلم وعن ارتباطه بتاريخ أسرته وأهله، رغم أنه من مواليد الكاظمية.
فكتابة السيرة لعالم هي البحث عن وجوده الإنساني ، وهو ما يصفه بعض النقاد بالكتابة المجهرية ؛ أي معرفة الذات البشرية الفاعلة والوقوف عند دور العالم الفاعل في مجتمعه وتأثيره في زمانه.
وقد ورد في كتاب معارف الرجال للشيخ عز الدين شهادة لافتة بقوله (لن يحصل الإقبال الكامل كما يستحق علمه وفضله وأدبه المتكامل، وكان من المؤلفين).
إن الكتابة عن الشيخ محمد جواد تعد اعادة لدوره وقراءة المستقبل فيه، عبر تسليط الضوء على علمه وفكره ورؤاه وثقافته. وقد كتب عنه حفيده الدكتور حسين علي محفوظ( رحمه الله ) (كان جدي علامة جليلًا فقيهًا مجتهدًا أديبًا فاضلًا شاعرًا مجيدًا، جيد النظر ذا اضطلاع واثر على مختلف الملل والنحل، طالع كثيرا من كتبهم وردهم ودفع حججهم وكان عارفًا بفنون اللغة العربية مالكًا لنواصيها ، ويعد من كبراء علماء اللغة مشاهير النحات وكان يتفجر الظرف والأدب والسداد من جوانبه منعطفًا على العبادة، وعلى خلق عظيم ،وفضل عزيز وأدب جم) .
يرى كثير من النقاد أننا بحاجة إلى سير العلماء، ولدينا نقص كبير في منجز السير مما جعلنا نضيع أماكن الفكر وفرص التفكير ، وأبقانا أسرى الرثائيات بدل البحث في الفكرة والمنهج ، نقرأ منجز الشيخ المحفوظ :
- كتاب الشهاب الثاقب في الرد على ابن حجر والنواصب.
- وكتاب اليواقيت في الرد على الطواغيت.
- هرج الأقوال في الصلاة على محمد وآل محمد.
- كتاب حاشية على قطر الندى.
- وتعليق على المعالم في الأصول.
- وأرجوزة النحو واراجيز متعددة وشعر كثير.
تنفتح شخصية الشيخ محمد جواد محفوظ على بنى علمية وفكرية وثقافية وتضيء الفكر بمنهجه، حتى ليعجز الموت عن أن يطوي أثر هذا العالم الجليل، فقد فارق الدنيا في الهرمل- لبنان يوم الأحد السادس من شهر ذي الحجة سنة 1358 هـ ودفن هناك ، غير أن كتابة سيرته تؤكد أن حضوره ما زال ممتدًا ، ينبض بالحياة وتلك إحدى ثمار العلم والدين






