البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٩ شعبان ١٤٤٧

(عودة النور إلى المنبع) (سيرة السيد علي آل النبي الموسوي)

 

  في جنوب العراق، تُضاء البيوت بفتائل السراج، وتُوقد سيقان القصب والبردي تحت القدور، وتشق المشاحيف مياه الهور وسيلة للتنقل، ويعيش الناس على صيد السمك والطيور، هناك في بيت اعتادت مسامع أهله على ترتيل الأذكار، وتربوا على احترام العلم والورع، نشأ السيد علي آل النبي الموسوي، غصنًا مباركًا غرسه الله ليورق علمًا ويقينًا لا يخبو.

 

هو السيد علي بن السيد عقلة بن السيد درويش الموسوي، ولد سنة 1285هـ في أسرةٍ عرفت بالتدين، وبرز من بين رجالها العلماء والأتقياء. درس المقدمات في طفولته على يد والده في مسقط رأسه في ناحية الحّمار (المنار حاليًا)، ودرس في مدرسة البثج والحجامية، ثم في مدرسة المؤمنين في كرمة بني سعيد التي أسسها الميرزا عناية الله جمال الدين. ورغم بعد المسافات وصعوبة التنقل بين القرى والمدن، واصل مسيرته في طلب العلم، تلك المسيرة التي تستحق أن تكتب في الصحائف؛ ليشهد التاريخ أن الروح إذا شغفت بشيء أبدعت، وتغلبت على المصاعب.

 

ما إن اشتد عود السيد علي حتى دفعته رياح الشغف العلمي إلى النجف الأشرف، مدينة العلم والعلماء، استقر فيها، ونهل من مدارسها، وصحب أعلامها، وتضلع في أبحاثها العالية فقهًا وأصولًا على يد أساطين الحوزة، أمثال: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد أبي تراب الخوانساري، والشيخ الآخوند الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ محمد حسن المامقاني. وقد أجيز بأنواع الإجازات من أكابر أساتذته، حتى أصبح من أفاضل العلماء، ومن الأساتذة الماهرين الأمناء على التراث ومن ورواد النهضة العلمية.

 

ومع استقراره في النجف، لم يشغله مقامه العلمي عن رسالته في خدمة الناس. كان يطوي المسافات عائدًا إلى مسقط رأسه والمناطق المجاورة، مثل قصبة الفهود وغيرها، واعظًا ومرشدًا ومرجعًا في قضاياهم الفقهية والاجتماعية، يطفئ الخصومات ويرمم شروخ المجتمع لغياب الدوائر القانونية في ذلك الوقت. أصبح ملاذًا للناس ووجهتهم في حل النزاعات، حتى نال ثقتهم وتبجيلهم.

بنى مسجدًا في ناحية الفهود لا يزال يحمل اسمه إلى اليوم.

 

ومن مواقفه الجهادية البطولية مشاركته في جهاد المحتلّ الإنجليزي قبل ثورة العشرين إذ كان من قادة الزحف، ومن الذين ترددت أسماؤهم في ميادين العزة إلى جانب كبار المجاهدين، وعلى رأسهم السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ باقر آل حيدر. وكان يرافق ابن خاله المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر لنقل رسائل علماء النجف بزعامة المرجع الأكبر المجاهد شيخ الشريعة الأصفهاني إلى المجاهدين، محرضًا على المقاومة والصمود، وموقظًا للهمم في أيام كانت تمتحن فيها إرادة الأمة.

 

ومما أفاض به قلمه الشريف من مؤلفات: شرك العقول في الأصول، والإيضاح النافع في شرح مفاتيح الشرائع، ورسالة في شرح مواريث الشرائع، وتعليقة على كتاب الطهارة في شرح اللمعة، وهداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وكتاب رفع الخلاف.

 

وبعد عمرٍ حافل بالعطاء العلمي والجهادي وقضاء حوائج الناس، طوى السنين راضيًا، فتوفي في النجف الأشرف يوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة 1357هـ، ودفن جثمانه الطاهر في إيوان الذهب بالصحن العلوي الشريف… فكأنما عاد الغصن إلى أصله، وعاد النور إلى منبعه.

 

مواضيع ذات صلة