تتوهج في صفحات التاريخ أسماء رجال شيدوا مجدهم بأخلاقهم وعلمهم، وجهادهم لا بصخبهم الإعلامي. من هؤلاء الشيخ عبد الحسين شحتور؛ الرجل الذي لم تستميله الهدايا إلى دهاليز الحكومة ولم يطمع بجاهٍ ولا سلطان، واكتفى أن يكون صوت الحق وحارس الشريعة في زمن التحولات والفتن.
ولد الشيخ عبد الحسين سوق الشيوخ عام ١٢٩٤هـ / ۱۸۷۷م، ونشأ في كنف والده الشيخ عبود بن الشيخ موسى بن الشيخ شحتور من أسرة آل شحتور التي نسبت في شهرتها إلى جدهم الأعلى شحتور بن محمد بن حمرة الخزاعي
ترجع أسرة آل شحتور إلى عشيرة آل غريق (غريج) التي تتفرع من قبيلة خزاعة وقد نزحت هذه العشيرة من الفرات الأوسط نحو الجنوب واستقرت في الأهوار بمنطقة الجبايش في أواخر القرن الثامن عشر بعدما تعرضت لضغوط الدولة العثمانية المتمثلة بجباية الضرائب.
ودخلت هذه العشيرة في حلف مع العشائر القاطنة في المنطقة: وهي عشيرة البو خليفة، وعبادة، وبني مشرف، وبني حطيط، وآل حرب، و بني أسد.
عرف الجد شحتور بين أبناء تلك العشائر رجلاً تقياً شريف النفس محباً لأهل العلم. ولعلو منزلته اشتهرت أسرته باسمه لأن الأسرة تشتهر وتنتمي إلى من هو أعلى شرفاً وأعظم منزلة وأكثر جاهاً فيها ولذلك أطلق عليهم آل شحتور
ثم انتقلت الأسرة بعد ذلك لتسكن مع عشيرة حجام في منطقة العتيبية أواخر القرن التاسع عشر وكان ذاك استجابة لطلب الحوزة العلمية في النجف ومراجعها لسد حاجة المدينة والعشائر المحيطة بها من الناحية الدينية والتشريعية وحل النزاعات والخصومات العشائرية. وقد احتفت عشيرة حجام بهذه الأسرة التي ارتبطت بها ارتباطاً وثيقاً حتى صاروا جزء منها.
ثم انتقل رجال هذه الأسرة إلى مركز مدينة سوق الشيوخ بعد عام ١٩٣٥ تقريباً في زمن الشيخ عبد الحسين عبود الشحتور الذي بنى له بيتاً كبيراً في منطقة الحضر.
نشأ الشيخ عبد الحسين في بيئة تعظم القيم الأخلاقية والآداب الإسلامية فكان طبيعيًا أن يسير وهو في مقتبل العمر على نهج الآباء والأجداد في طريق العلم والعلماء. دخل الحوزة العلمية في النجف الاشرف ونهل من علومها الدينية، حتى أصبح من طلابها البارعين، وآية في استنباط أحكام الدين بعد أن أخذ الفقه والأصول من أساطين عصره أمثال: آية الله العظمى الشيخ محمد طه نجف، والسيد كاظم اليزدي، والشيخ علي بن الشيخ باقر آل صاحب الجواهر، وكان ملماً بالأدب واللغة والتفسير والحديث.
بعد أن أكمل الشيخ عبد الحسين دراسته الدينية عاد إلى وطنه (حجام) ليكون مصداقاً لقوله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُم طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ).
ثم انتقل إلى مركز مدينة سوق الشيوخ
بطلب أهالي السوق ليوسع نشاطه الديني في تبليغ أحكام الشريعة.
وعند دخول الاحتلال البريطاني إلى العراق عام ١٩١٤ م كان للشيخ عبد الحسين دور كبير في تحشيد جماهير وعشائر السوق للوقوف بوجه الاحتلال البريطاني، إلى جانب الشيخ باقر آل حيدر.
كما شارك الشيخ عبد الحسين في انتفاضة عام ١٩٣٥ في سوق الشيوخ والتي سميت بالتاريخ بـ (ثورة ريسان) إلى جانب الشيخ عباس الحجامي الرميثاوي والشيخ موسى الحسناوي وكان دوره موجهًا للانتفاضة وحافظًا لأمن المدينة التي بقيت أكثر من خمسة عشر يوماً دون قانون ونظام حكومي.
وبعد انتهاء الانتفاضة بدأت الحكومة بإجراءات تعسفية تمثلت باعتقال الشخصيات التي شاركت في الانتفاضة وكان الشيخ عبد الحسين من ضمن الشخصيات المطلوبة لذلك لجأ مع زميله الشيخ عباس الرميثي إلى بيت رجل العشائر الشيخ حاتم العجلي ثم تم تهريبهم إلى مدينة النجف الاشرف والاتصال بالمرجع الديني السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي حصل لهم العفو من الإنكليز احتراما لمقامه
عرف الشيخ عبد الحسين بتقواه وورعه الشديد واحتياطه في الدين وابتعاده عن الأضواء وحب الظهور وعدم اقترابه من رجال الحكومة حتى ان أحد المسؤولين في القضاء بعث له بعدة هدايا إلا أن الشيخ رفض إدخالها بيته وأمر بتوزيعها على فقراء المدينة. كان الشيخ همه الأكبر تبليغ الإحكام الشرعية إلى الناس وكان يبالغ في ذلك لدرجة انه إذا قابله شخص أول ما يختبره في كيفية أداء صلاته وما يتعلق بها من أحكام شرعية، وحرص على إيصال الحقوق الشرعية لفقراء المدينة. كان بيته محط استقبال الزائرين من العلماء والأدباء الذين كانوا يفدون على مدينة سوق الشيوخ وذكر الشيخ عبد الهادي الفضلي ان والده الشيخ الميرزا محسن الفضلي حينما زار مدينة سوق الشيوخ كان مدة وجوده يلتقي بالشيخ عبد الحسين الشحتور.
وهو من العلماء المعترف لهم بالاجتهاد ومن آراءه الاجتهادية حرمة شد الرحال الزيارة قبور ومراقد غير المعصومين عليهم السلام.
لم يكن الشيخ شحتور رجل منبرٍ يعظ من بعيد، ولا فقيهًا منعزلًا في محرابه، بل كان ضميرًا حي يرفض أن يكون تابعًا للسلطة، ويسمو بعلمه على كل مغريات المناصب. بقي رمزًا لنقاء الرسالة الدينية التي تمارس دورها في المجتمع: إصلاحًا، وتربية وجهاد.
توفي رحمه الله في النجف في السابع من شهر صفر ١٣٦٧هـ / ١٩٤٨م ودفن في داره الذي أصبح فيما بعد مقبرة الأُسرة والواقع في محلة العمارة بالقرب من براني الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رضوان الله تعالى عليه).
لقد رحل الشيخ، لكن أثره لم يرحل، بقي في الذاكرة نبراسًا يهتدى به، وحكمة تذكر بأن العلم بلا موقف لا يصنع تاريخًا.






