البحث المتقدم

البحث المتقدم

٠٣ شعبان ١٤٤٧

مرجعية السيد (أبو القاسم الخوئي) وتصاعد سياسة القمع والتنكيل البعثية (3)

إلى جانب الحس الثوري والجهادي الذي كان يتمتع به السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ومناصرته للحركة الإسلامية في العراق، ودعوته لمقاومة الطغمة البعثية الحاكمة آنذاك بكل الطرق، لكنه بقي ثابتاً في السير على خطى المرجعية الدينية العليا ورأيها في تحريم عمل الحوزيين في الشأن السياسي، فأقدم على الخطوة الآتية حرصاً منه على حياة أصحابه، ففي رده على استفتاء حول انتماء طلبة الحوزة إلى الأحزاب السياسية، أفتى في 19 آب 1974 بعدم جواز الانتماء إلى أي حزب، ومما جاء في نص جوابه: "لا يجوز ذلك، لأننا لا نسمح بشيء من هذا القبيل، وقد ذكرنا رأينا هذا مراراً إذ أوضحنا أن طالب العلم الديني وظيفته أن يعظ ويرشد ويُعلم الأحكام الشرعية بالطريقة الواضحة المألوفة بين العلماء".

وعلى الرغم من ذلك فقد استمر مخطط السلطة البعثية نحو إضعاف المرجعية الدينية وتحجيمها، فقامت بحملة جديدة من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية انتهت بإصدار أحكام السجن بحق المئات منهم، وأعدمت العشرات من المناضلين، كان بينهم خمسة من رجال الدين؛ بهدف خلق حالة من الترويع والإرهاب في صفوف الحوزة، في سابقة خطيرة لم تشهدها البلاد قبل ذاك.

ومن الأحداث الجديرة بالذكر للتدليل على صلابة المرجعية الدينية وشجاعتها وقوة شكيمتها وأنها لا تعبأ بالظالمين مهما تهوروا واستفحل عدوانهم، أن السلطات المحلية في النجف الأشرف عمدت إلى وضع صور لمسؤولي الدولة والحزب، منها صورة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، وصورة منظر الحزب شبلي العيسمي، وأخرى لرئيس الجمهورية ونائبه في مدخل باب القبلة داخل الصحن الحيدري الشريف، فانتفض المرجع السيد عبد الله الشيرازي وعمد إلى الصورة فهشمها بعصاه وأطاح بها أرضًا، غير مبالٍ أنها لأعلى مسؤولين في الدولة. مما أثار غضب السلطة عليه، فضيقت عليه كثيراً، حتى ترك العراق مهاجراً إلى إيران. وحيت عاتبه بعض موظفي السلطة على الأمر، أجابهم بكل جرأة "أن بعض هؤلاء رموز للكفر، ولا ترفع صورة رموز الكفر في صحن أمير المؤمنين". وقد حاولت السلطة منعه من السفر، واجتمع به السيدان الخميني والخوئي وحاولا إقناعه بالبقاء، لكن دون جدوى وخاطبه السيد محمد باقر الصدر أيضاً بقوله "إن النجف بحاجة ماسة إلى مراجع وعلماء شجعان صريحي اللهجة، يتكلمون بكل قوة وجرأة، وهذه الصفات منّ الله بها عليكم فليس من المصلحة أن تتركوا النجف والأمور تسير من سيء إلى أسوأ". وقد أجابه الشيرازي أنه سيواصل التحرك جدياً ضد تلك "الطغمة الفاسدة" من الخارج.

واجهت مرجعية السيد الخوئي موجة عارمة من الإرهاب البعثي الدموي الحاقد، وعجرفة حكومية متسلطة، فرأى حمه الله أن الواجب الأساسي في تلك الظروف هو الحفاظ على الكيان العلمي للحوزة الشريفة والاهتمام بالدفاع عن البقية الباقية من عناصرها، فانصب جهده على إحكام إدارتها، وتطوير مؤسساتها وتفعيل مهمتها الأساسية في مواصلة تدريس العلوم والمعارف الدينية على وفق فقه آل بيت محمد (صلى الله عليه وآله)، والتركيز على الجوانب الثقافية والاجتماعية بالدرجة الأساس.

وعلى الرغم من معارضته غير المعلنة للنظام الحاكم في العراق خلال زعامته الدينية ومتابعته الدقيقة للأزمات والمحن التي يتعرض لها العراقيون، لكنه لم يعتمد أسلوب الصدام المباشر أو العنيف ضد السلطة، بل وجه بعدم التدخل في الشؤون السياسية العامة، إلا حينما تتعرض بيضة الإسلام إلى الخطر.

 

المصدر موسوعة فتوى الدفاع الكفائي الجزء 3 ص 248

مواضيع ذات صلة