البحث المتقدم

البحث المتقدم

١٩ شعبان ١٤٤٧

​قيامة الذاكرة: بين مِشكاة الوعد وفتوى الوجود

 

بين إشراقة الغيب في سامراء، وصرخة الحق في النجف، يمتدُّ جسرٌ من اليقين، لا تعبره إلا القلوب التي أبصرت بصيرتها قبل عيونها..

الذاكرةُ هنا ليست خزانةً للمهملات، بل هي مضغةٌ نابضة؛ حين تلتفتُ إلى الوراء، لا تستجدي أرقاماً أو تواريخ، بل تستلهمُ روحاً تشكّلت بين ذكريين عظيمتين، صاغتا وجدان الأمة.

الذكرى الأولى: مِيلاد الفجر المُنتظر

هو المولدُ الذي كسر نواميس الحضور المادي؛ لم يُولد ليُرى بالعين الفانية، بل ليُُنتظر بالروح الباقية. غاب الجسدُ ليتّسع المدى لوعده، واحتجب الاسمُ في سرادق السرّ، ليظلّ أثرهُ وشماً علنياً في ضمير البشريّة.

إنه المولودُ الذي استعار منه الزمانُ رداء الصبر، وارتحل الظلمُ في فيافي الرعب كلما قُرن اسمه بدمعة الاستغاثة: "عجّل الله فرجه". في ميلاده، نحن لا نُمارس طقس إيقاد الشموع، بل نوقدُ في أعماقنا تساؤلاً وجودياً مرّاً:

"كيف نُهيئُ أرواحنا لتكون مرايا لطلعتِهِ؟ وكيف نمنعُ خذلان الفجر وهو يتدربُ في خفاء الغيب على لحظة الانبلاج؟"

الذكرى الثانية: ولادةُ الموقف.. حين تكلّم الصمت

لم تكن هذه الذكرى ميلاد رجل، بل كانت انبعاثَ موقف. فتوى انحدرت من سكينة النجف ووقار مآذنها، لم تكن صرخةً عابرة، بل كانت نداءً للضمير الكوني.

لم تفتح أفواه الموت، بل أوصدت أبواب السقوط. وُلدت تلك الكلمة والوطنُ يترنح على سكين الذبح، والخرائطُ تُنهشُ بأنياب التكفير، والعراقُ يُراد له أن يُختصر في "مقبرةٍ صامتة".

في تلك اللحظة الفارقة، لم ينهض العراقُ بحديدِ سلاحهِ فحسب، بل بفيضِ وعيه. انتفض الفلاحُ من طينه، والجنديُّ من خندقه، والشيخُ من محرابه، وكأنّ صوت المرجعيّة كان الصدى الوفِيّ لوعدٍ قديم:

أنّ هذه الأرض عصيّةٌ على الابتلاع؛ يحرسها الألمُ تارةً، والعدلُ تارةً، والدمُ الطاهرُ حين تضيقُ الخيارات.

الخيطُ الخفي: الانتظارُ حين يصيرُ فِعلاً

ثمة خيطٌ من نور يربطُ بين المشهدين:

الإمامُ الغائب: الذي يزرع في أتباعه "الانتظار الفاعل".

الفتوى الحاضرة: التي حوّلت ذلك الانتظار إلى "فعلٍ مقدّس"، والدعاء إلى "خندق"، والإيمان إلى "متراس".

لقد كانت الفتوى درساً "مهدوياً" بامتياز؛ علّمتنا أن الحق لا يحتاج إلى ضجيج الزيف، وأن الذود عن كرامة الإنسان هو أسمى آيات العبادة. علّمتنا أن السلاح بلا بوصلة أخلاقية ليس إلا جريمة، أما حين يُرفع لحماية المظلوم، فإنه ينقلبُ إلى "صلاةٍ مؤجلة".

الخاتمة: درسُ التاريخ الخالد

بين إشراقة المُنقذ، وولادة الفتوى التي أنقذت وطناً، ندركُ يقيناً أن الغيب والواقع وجهان لعملةِ الحق، وأن الانتظار ليس سُباتاً أو استسلاماً، بل هو استنفارٌ دائم لنكون ـ ساعة يُنادي المُنادي ـ في الصف الذي يرضاه الله والضمير.

سلامٌ على الموعود الذي سيغسلُ وجه الأرض بالقسط، وسلامٌ على الكلمة التي نبعت من مِشكاة الحكمة، فأعادت للعراق هويته، وللإنسان كبرياءه.

مواضيع ذات صلة