وحينما عجزت عناصر السلطة عن التصدي للجماهير الحسينية الباسلة، أمرت الحكومة قوات الجيش بالانتشار على طريق (نجف – كربلاء) مزودة بالدبابات والمصفحات والطائرات المروحية والنفاثة، فواجه الزائرون الجيش بالشعارات الحسينية واصطدموا معها، فيما تعاطف بعض الجنود والضباط مع المواكب الحسينية وقدموا لهم بعض التسهيلات والمعلومات وأبلغوهم بنوايا السلطات العدوانية تجاههم. واستطاعت الجموع الثائرة من الوصول إلى كربلاء المقدسة على الرغم من العقبات وعمليات المداهمات والصدامات والجرحى والشهداء على طول ذلك الطريق. لكن السلطة الغاشمة ردّت بحملة واسعة من الاعتقالات والملاحقة، وألقت القبض على أعداد كبيرة من الشباب، ساقتهم إلى المواقف ومديريات الأمن، حتى استشهد كثيرٌ من جزاء أساليب التعذيب الوحشية. وأقامت السلطة محكمة صورية لمحاكمة المتهمين. وقبل التنفيذ أشاع عناصر حزب البعث الدعايات بأن السلطة ستقوم بإعدام أربعمائة من المعتقلين، وبعد ذلك خُفضت الإشاعة الحزبية إلى المائتين.
أبدت المرجعية الدينية العليا امتعاضها الشديد من حملة الاعتقالات التي شنّتها السلطات البعثية في أوساط الحسينيين وجميع المعارضين السياسيين، وخشيت من إقدام السلطة على تنفيذ تهديداتها، مما قد يؤدي الى إزهاق أرواح الكثيرين من أبناء الشعب العراقي، وهذا الأمر كان أن يحصل لولا تدخل المرجعية في الموضوع.
عند ذلك فاجتمع السيد محمد باقر الصدر بالسيد الخوئي في داره الواقعة في الكوفة بحضور عددٍ من العلماء، للتحرك لإيقاف هذا النزيف، واتفقوا على إرسال وفد إلى السلطة لإطلاق سراح المعتقلين، وتسوية الأمر وحقن الدماء البريئة، فأرسل السيد أبو القاسم الخوئي وفدًا حوزيًّا رفيع المستوى إلى العاصمة بغداد، ضم عددًا من الفضلاء والعلماء الكبار والأدباء المشهورين يرأسهم نجله الأكبر السيد جمال الدين الخوئي، وقابلوا رئيس الجمهورية نفسه أحمد حسن البكر، ونقلوا له مدى القلق الذي تشعر به المرجعية أزاء الأوضاع، ومطالبتها بإطلاق سراح جميع المعتقلين، أو تخفيف الأحكام الصادرة بحقهم، وعدم تنفيذ عقوبة الإعدام بتاتًا ضد أي منهم، لكن موقف البكر كان غير مشجع في البداية، ووصف المعتقلين بأنهم مجموعة من "المشاغبين العابثين بأمن البلاد"، فردّ عليه ابن المرجع الأعلى ردًأ عنيفًا، موضحًا له أن المعتقلين ليسوا مثلما وصف، بل هم مجموعة من المواطنين المسالمين الذاهبين لزيارة أئمتهم بشكل طبيعي، وأن سبب المشكلة كلها هو قيام قوات الحكومة بغلق الطرق عليهم بالدبابات والطائرات. وهذا الأمر أدى إلى حدوث مشادة كلامية بينهما، تدخل على أثرها أعضاء الوفد الآخرين لامتصاص الغضب الذي سيطر على أجواء الاجتماع، وفي النهاية طلبوا من البكر التدخل في الأمر، فوعدهم بذلك، فأًلغيت بعض أحكام الإعدام، ومنها حكم الإعدام الصادر بحق السيد محمد باقر الحكيم، وأًطلق سراحه فيما بعد مع آخرين، فيما قضت المحكمة بإعدام العشرات من النجفيين.
وبعد إجهاض النظام للانتفاضة اقتادت السلطة بعض العلماء... يتبع
المصدر موسوعة فتوى الدفاع الكفائي الجزء 3 ص 251






