لم يعد ما نعيشه مجرد انحدار عابر في الذوق، أو خلل مؤقت في السلوك، بل هو تحول عميق في الوعي الجمعي حيث أصبح الوجع مادة يومية للتداول، وأصبح الفضول وقودًا لانتشار الخراب حتى غدت المأساة خبرًا عاديًا والدم مشهدا متداولا بلا ارتعاش.
أصبح جزء كبير من المجتمع يبحث عن الفضيحة بشغف يفوق شغف صناع السينما بالحبكة والإثارة يلاحق التفاصيل الدقيقة يعيد نشرها ويزينها بالتعليقات، غير مدرك أن خلف كل قصة بيتا تهدم ونفسا انكسرت، وأطفالًا سيكبرون وهم محاطون بذكريات لا ذنب لهم فيها، وكأن الانسان تخلى عن حسه الأخلاقي واستبدله بلذة الاكتشاف ولو كان ثمنه كرامة الاخرين.
الأخطر أن المشهد لم يعد مقتصرا على فضائح أخلاقية، بل تمدد الى جرائم مروعة لم نكن نسمع بها سابقا، جرائم تهز الفطرة قبل القانون، ابن يقتل أباه، زوج يفني أسرة كاملة، وزوجة تمارس انتقاما وحشيا، ثم يتحول كل ذلك إلى مادة استهلاك سريع يتداولها الناس ببرود غريب وكأن العنف لم يعد صدمة بل أصبح جزءا من الروتين اليومي.
مواقع التواصل ليست بريئة وليست مذنبة بالكامل، لكنها المرآة التي كشفت ما في الداخل ووسعت رقعة التأثير فبدل أن تكون وسيلة للتنوير أصبحت أداة لتطبيع القسوة وتكريس الرداءة، سرقت منا الوقت والحياء وحولت الإنسان من متألم إلى متفرج، ومن رافض إلى مساهم بالصمت أو بالنشر.
السؤال الحقيقي هل الحكومة مسؤولة ؟ بل لماذا نصر على أعفاء أنفسنا من المسؤولية ؟ نعم للدولة دور في التشريع والردع لكن الإنسان هو الفاعل الأول حين يقرر أن يشارك أو يمتنع أن يربي أو يهمل أن يحمي عائلته، أو يفتح لها أبواب الفوضى عبر شاشة صغيرة تحمل سموم العالم كله.
حين ننسى أن أطفالنا يسمعون ويرون، ويتشكل وعيهم من هذه الفوضى فنحن نزرع فيهم الخوف أو البلادة، وحين نبرر النشر بالفضول أو الوعي فنحن نمارس خداعا أخلاقيا، لأن الوعي لا يولد من التشهير ولا من إعادة انتاج الجريمة.
الخلاص لا يكون بالمنع وحده، بل بالوعي وبالتهميش المقصود لهذه الممارسات، وبالإرشاد والنصح وبالعقاب حين يلزم الأمر قبل أن نصحو يوما لنكتشف أننا خسرنا قيمنا وأننا كنا شركاء في السقوط.




تقييم المقال

