يتسيد القرآن الكريم جميع الكتب السماوية، ويهيمن عليها، أودعه الله سبحانه جميع ما تحتاجه البشرية، فكان صالحًا لكل زمان ومكان، يصرح بالأسماء والأحداث حينًا ويلمح حين آخر، ولكل حكمة بالغة يظهر أغلبها في الروايات المستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام.
من هذه الآيات الكريمة (سلام على إل ياسين) تندرج هذه الآية الكريمة تحت سلسلة من قصص الأنبياء يختمها الباري جل ذكره بسلام خاص، حيث يبدأ بذكر نوح وفلكه ليمر بإبراهيم وقومه وحديث الرؤيا الصادقة، لينقل الحديث إلى موسى وهارون، حتى يصل إلى إلياس، ويختمها بقوله جل شأنه:(سلام على إل ياسين) ثم يذكر قصة لوط ويونس دون أن يختمهما بسلام خاص.
فما معنى (إل ياسين)؟
تُطالعنا التّفاسير بأقوالٍ مُختلفة، حول مفاد الآية الأولى من سورة (يس)، والآيتَين 123 و130 من سورة الصّافات: ﴿وإنّ إلياس لَمِنَ المرسلين﴾، ﴿سلامٌ على إل ياسين﴾. ومُجمل هذه الأقوال والآراء تندرج تحت عنوانين رئيسين:
الأوّل: أنّ المقصود بالآيات هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار، كما في تفسير القمّي «آل يس [هم] آل محمّد صلوات الله عليهم، ويس إسمٌ من أسمائه»، وقيل إنّ معناه: أيُّها السّامعُ الوحي.
الثّاني: أنّ المقصود هو نبيٌّ آخر؛ إلياس أو إدريس عليهما السلام، أو معنىً آخر، من قبيل: يا إنسان، بِلُغة طَي، وغير ذلك من الآراء.
إذن هل يصح الجمع بين المعنيين ؟
هل يمكن أن يكون إل ياسين مستعملاً بمعنيين ، فيكون معناه : سلامٌ على إلياس ، وعلى آل ياسين معًا، وهل لإلياس ( عليه السلام ) علاقة بآل محمد ( عليهم السلام ) لأن اسمه إيليا، وهو اسم علي ( عليه السلام ) في كتب الأنبياء ( عليهم السلام ) ؟
هذا احتمال، وإن استعمال اللفظ في معنيين وأكثر ورد في القرآن كقوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا) ، فهو بمعنى العدوان والركض معًا، وقوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ، فهو بثلاث معانٍ : كوثر الذرية ، وحوض الكوثر في المحشر ، ونهر الكوثر في الجنة .
هل يوجد تعارض بين الظهور والنص:
ظاهر السياق أن التسليم في الآية على إلياس نفسه خاصة ، بقرينة قوله بعدها : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . بينما الرواية المستفيضة تنص على أن التسليم فيها على آل ياسين ، الذين هم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) !
وقد يقال : لو كان السلام فيها على آل ياسين ، فلماذا لم يذكرها في سورة ياسين ، وذكرها بعد إلياس ؟
نعم هذا ظاهر السياق ، لكن إذا تعارض الظهور مع النص عن المعصوم ( عليه السلام ) وجب تقديم النص على الظهور ، لأن المعصوم ( عليه السلام ) هو المفسرالشرعي للقرآن ، وكلامه مقدم على ما يظهر لنا ، لأنه أعرف بمعانيه ، ولذا رجح تفسير آل ياسين بآل محمد ( صلى الله عليه وآله ) إذا إن الروايات مستفيضة في ذلك
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ الله سمَّى النبيّ صلّى الله عليه وآله بهذا الاسم حيث قال: ﴿يس * والقرآنِ الحكيم﴾ لعلمه أنّهم يُسقطون (سلامٌ على آل محمّد) صلوات الله عليهم كما أسقطوا غيره».
وعن الإمام الباقر عليه السلام: «للرَّسول صلّى الله عليه وآله عشرة أسماء، خمسة ليست في القرآن وخمسة في القرآن. فأمّا التي في القرآن: محمّد، وأحمد، وعبدالله، ويس، ون».
وعن الإمام الرضا عليه السلام [عندما ناظر العلماء في مجلس المأمون]: «أخبِروني عن قوله تعالى ﴿يس * والقرآن الحكيم﴾ فمَن عَنى بقوله: يس؟ قالت العلماء: يس: محمّد صلّى الله عليه وآله لم يشكّ فيه أحد. قال عليه السلام: فإنّ الله أعطى محمّداً وآل محمّد من ذلك فضلاً، لا يبلغُ أحدٌ كُنْهَ وَصْفِهِ، إلّا مَن عَقَلَه، وذلك أنّ الله لم يسلِّم على أحد إلّا على الأنبياء، فقال تبارك وتعالى: ﴿سلامٌ على نوحٍ في العالمين﴾ و﴿سلامٌ على إبراهيم﴾ وقال: ﴿سلامٌ على آل ياسين﴾».
أما عن وجه قراءة هذه الآية المباركة، ووجوه القراءة عموماً.
فالظَّاهر من مذهب الإماميّة أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يَتداوله القُرّاء بينهم من القراءات، وقد عُرِف عنهم اعتبارها قرآناً، كما أُمِروا بطريق بيت الوحي والتَّنزيل أن يقرأوا القرآن كما يقرأه النّاس، وأشهر ما استقرّت عليه قراءة النّاس هو هذه السَّبع المُستندة إلى أولئك السبعة المشهورين.
فجاز قراءة ما جوَّزه القرّاء حول الآيات المذكورة في صدر الكلام، وذلك بقراءة (آل ياسين) على هذه الهيئة من الرَّسم، مع ملاحظة أنّ تجويز القُرّاء ليس باجتهادٍ منهم، بل بسُماعٍ وتلقٍّ، فالقراءة وصلتنا عبر أحد أئمّة القراءة كنافع مثلاً، الذي كان له رُواة، وللرّواة رُواة، وهكذا دواليك.
فسلام على ياسين وآل ياسين محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرية الحسين.
……….
شرح زيارة آل ياسين الشيخ علي الكوراني العاملي
موقع السرائر الشيخ حسين كوراني




تقييم المقال

