في السابق كان حلّ هكذا مشكلة يتأتى عبر طرح الأسئلة والمضي بالبحث عن إجابات وعرض تعددها وتنوعها على التفكير والتأمل للوصول الى نتائج منطقية عملية، أما اليوم فيتدخل الذكاء الاصطناعي في ابداء رأيه الرقمي من واقع قاعدة بياناته الواسعة التي تتيح له تكوين صورة رأي مقبولة لدى كثير من المستخدمين، حتى صرنا نسمع عبارة: هذا ما قاله الذكاء الاصطناعي. سألت الذكاء الاصطناعي فقال لي.
في خضم هذا الحديث نحن بحاجة الى تطبيق معرفي معاصر يقدم فيه علماء اللغة وعلماء التفسير بحوثاً ميسرة تقدم نتائج عملية وطاقة كبيرة تستطيع أن تحرك ثقافة العربي المسلم باتجاه وعي حاضره في ظل القرآن الكريم الذي انفرد بربط قيمة وجود الانسان بقدرته على التعلم واكتساب المعرفة وبقدرته على الإبداع ، فقد علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها ، كما في سياق الآية الكريمة ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين ) سورة البقرة - 31، فجاء إقرار الملائكة بآدم إقراراً قائماً على العلم الذي أصبحت سبل اكتسابه في ظل التكنلوجيا المعاصرة ممكناً أكثر من أي وقت مضى ، فإذا ربط الإنسان المعاصر تواصله مع المجتمع والعالم بثنائية الإنسان والإبداع ، تغلب على تفوق الآلة الذكية بعمق وعيه ، واللغة العربية تتيح إمكانية الوصول إلى الوعي العميق عبر بلاغة النص المقدّس.
لم يعد تعدد تفاسير القرآن يكفينا في عصر السرعة، ولم يعد يقلقنا ضعف قدرة الربط بين مضمون آية في سورة بآية أخرى في سورة أخرى، فقد وظف الذكاء الاصطناعي تقنيات تقوم بتحويل الكلمات إلى ناقلات رياضية تمكن المستخدم من إظهار المعاني غير المرئية في النص المقدّس، أي إظهار معنى السياق العام للآية. فضلاً عن خدمات أخرى يقدمها الذكاء الاصطناعي منها " معالجة اللغات الطبيعية" إذ يتمكن من تحديد المعنى الأدق لكلمة تحتمل عدة معاني واختيار ما يتناسب منها مع سياق النص الذي وردت فيه. توفر التكنلوجيا عشرات التفاسير وتجعلها متاحة لمستخدميها في ثوان قليلة من الزمن، هذا الحال يجعل من المتلقي البسيط أمام تيه معرفي بسبب كثرة المعلومات وتنوع وتعدد التفاسير، مما يفقده القدرة على تكوين تصوّر واضح لحاجته من الآية فيكتفي مثلاً بحفظ سورة الفلق لأنها تبعد عنه الحسد، ويحفظ سورة الواقعة لأنها تجلب له الرزق، وقد يغيب عنه فهم معاني ما ورد من كلمات في الآية او السورة، وقد سجل أحد البرامج الإعلامية ذلك حين سأل مقدم البرنامج عدداً من الشباب: هل تحفظ سورة الإخلاص. الجواب: نعم. هل تعرف معنى " الصمد" الجواب: كلا.
التقنية الذكية ليست مجرد وسيلة رقمية متطورة، إنها تتدخل في طريقة تفكير المتلقي وتحيله من مبدع إلى متلقي محدود بأطر تقنية لا روح فيها إلا من حيث الصياغة الكلامية التي يفهم منها أن هناك محاولة بحث فيما هو جديد ، وقد لا يكون كذلك في حقيقته . لا ننكر أن التقنية الذكية حفزت المتلقي على تجاوز الخوف من التفاعل مع النص المقدّس إلى جرأة البحث والاستكشاف ، لكن ينبغي أن لا نتجاوز أيضاً أن ذلك كله يحدث ضمن إطار بيانات التطبيق الذكي ، وهذه البيانات أعدّت بلغة إنكليزية أهلها يحملون بشكل أو بآخر عقائد معينة مرتبطة من قريب أو بعيد بفكرة الإيمان ، لذا علينا أن نستفيد من المزايا التقنية الذكية في مشاريعنا الثقافية المعاصرة في رحاب القرآن الكريم واللغة العربية ، فهذا يكفل لنا إقامة صناعة وعي نكون قادرين بها على إنتاج معنى جديد للحياة ، لا يغادر سياق ومعنى الآية ( فلنحيينه حياة طيبة ) سورة النحل /97 ، كما يحفز فينا تفعيل روح الإنسانية وقدرة الإبداع ، وان الإيمان ليس غيبياً بقدر ما هو منطقي وحاجة ضرورية ، وهذا يتناسب مع منهج العقل العلمي المعاصر




تقييم المقال


