في كتابه ( الآلة قوة وسلطة) يقول المؤرخ البريطاني ، المختص بتاريخ التكنلوجيا آر إيه بوكانان ( التكنلوجيا حديث عن الماكينات والعمليات مثلما هو حديث عن الناس ، وهي معنية بشكل خاص بالنتائج المباشرة وطويلة المدى المترتبة على العلاقات بين الماكينات والعمليات من ناحية والناس في المجتمع من ناحية أخرى)*
مع استعمال التقنية البدائية حيث الاعتماد على طاقة المياه والخشب في تسيير شؤون الحياة اليومية ، بدأت التكنلوجيا بدراسة تاريخ التقنية، بقيت هذه التقنية سائدة حتى القرن الثامن عشر إلى أن جاءت تقنية الفحم والحديد التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ، بعدها جاءت تقنية محركات الاحتراق الداخلي والكهرباء وصولًا إلى تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على البيانات .
ميزة هذا العصر أنه عصر تدفق هائل للبيانات والمعلومات ، وهو عصر التطور المتسارع قياساً بالقرون الماضية . لهذه الميزة بعدان ، البعد الأول إيجابي يتمثل في تحفيز الإنسان على تطوير مهاراته وقدراته بالاعتماد على الخدمات الوفيرة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات والتقنيات الذكية التي من شأنها أن توفر مساحة إبداع كبيرة كانت بالأمس مرهونة بالظروف والإمكانات والقدرات المالية والعلمية.
البعد الثاني لميزة هذا العصر هو البعد السلبي المتمثل بتوظيف هذه التقنية الذكية وهذا التدفق الهائل للبيانات والمعلومات في تسخير أكبر عدد ممكن من المستخدمين وتوظيفهم عبر وسائل التواصل وتطبيقات الإنترنت لتحويلهم الى مستهلكين ومستخدمين دائميين حد الإدمان على الشاشة ، من شأن هذا النوع من الإدمان أن يبطء نمو القدرات البشرية على التفكير الذاتي ، وعلى الإبداع ، وعلى النقد الذاتي ، فيصبح المستخدم جزءًا من التقنية التي يستخدمها ، الأمر الذي يخشى منه أن يؤثر في شخصية مستخدم التقنية بحيث تتمكن شركات انتاج رقمي وحكومات عالمية من توظيف وفرة البيانات في إعادة هيكلة التكوين الثقافي للمستخدم باتجاه يخدم مشاريع مثل مشروع (أمركة العالم ثقافياً) ، ومشروع (شرق أوسط جديد) ، ومشروع (الديانة الإبراهيمية وممر داود) ، وغيرها من المشاريع التي تصب في صالح هيمنة النظام العالمي على القرار السياسي والسيادي حول العالم من خلال التطوير المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق التي تعيد انتاج التاريخ بأحداث ووقائع مزيفة ينقله اشخاص حقيقيون . من هنا جاءت فكرة بحثنا في تمكين مستخدم التقنية الذكية ثقافياً بحيث يصبح قادراً على معرفة ما هو مزيف مما هو حقيقي ، فقد أشارت توقعات إلى أن العام 2030 سيشهد تطويراً في تقنية الذكاء الاصطناعي يمكن معه تزييف 90% من مقاطع الفيديو المنشورة على شبكة الإنترنت ، وهذا يعني ان الجيل القادم سيتعذر عليه التمييز بين المزيف والحقيقي مما يشاهدونه ، يشكل هذا التوقع خطراً على مستقبل الجيل القادم وعلى الحياة الانسانية ، لذا نجد ان التوصل الى صياغة حديثة للعلاقة بين الفلسفة والتكنلوجياٍ في ضوء الانثروبولوجيا سيعطينا امكانية تشكيل ثقافة وعي كافية لتكوين قاعدة عمل جماعي بدافع الحفاظ على الانسانية والابداع والحرية الحقيقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* آر إيه بوكانان – الآلة قوة وسلطة – ترجمة شوقي جلال – مؤسسة هنداوي – 2023م – ص 197




تقييم المقال

