البحث المتقدم

البحث المتقدم

إعادة بناء الانسان "كيف يستند الانسان الى ارضيه صلبة"

0 تقييم المقال

 

في إحدى البرامج التلفزيونية، كانت هناك أميرة (على ما أعتقد إماراتية) تقول:

 

«من قال إن الغرب يتطور؟ تركتُ الغرب منذ بداية الألفين وهو يناقش موضوع الإجهاض، وعدتُ إليه بعد عشرين عامًا، فوجدته ما يزال عالقًا في الموضوع نفسه».

صحيحٌ أن الغرب متقدّم تكنولوجيًا، وهذا أمر لا يمكن إنكاره؛ فقد وصلوا إلى أدنى أعماق الأرض وأعلى عنان السماء، لكن هذا التقدّم لم ينعكس بالضرورة على بناء الإنسان.

لقد فشل الغرب فشلًا ذريعًا في هذا المضمار، بل يشهد يومًا بعد يوم إخفاقًا واضحًا في تقديم نموذج إنساني متماسك. ففي تلك البلدان ترتفع معدلات العصابات، والسرقات، والتعاطي، والإجهاض، والتفكك الأسري، والجرائم بمختلف أشكالها. ولولا أن كثيرًا من المنظمات العالمية تنطوي تحت عباءتهم، لخرجت إلى العلن آلاف التقارير المرعبة عن نسب الإجرام والإدمان والانحلال.

فالخطر الحقيقي اليوم أن الغرب فقد أهم ركائز المجتمع: الأسرة.

وتكمن الخطورة الأكبر في أن هذا النموذج يُقدَّم إلينا بوصفه مصدرًا للثقافة والتقدّم، ما يجعل الانزلاق إليه أمرًا محتملًا إن لم تُبنَ مجتمعاتنا على وعيٍ راسخ.

من هنا، فأن المرجعية الدينية العليا شخصت هذا الخطر فبعد الانتصار على داعش، جاء بيان سماحة السيد السيستاني (دام ظله الوارف) ليضع إصبعه على جوهر المعركة، إذ قال:

 

«إن مكافحة الإرهاب يجب أن تتم من خلال التصدي لجذوره الفكرية والدينية، وتجفيف منابعه البشرية والمالية والإعلامية، ويتطلب ذلك العمل وفق خطط مهنية مدروسة لتأتي بالنتائج المطلوبة».

 

فالإرهاب لا يقتصر على ساحات القتال، بل إن الإرهاب الفكري والإعلامي أشد فتكًا عندما يضرب المجتمع، ولا سيما الفئة الحيوية فيه الشباب، الذين يمثلون دماغ الجسد. فإذا صلح الفكر في الدماغ، صلح سائر الجسد، واستقامت خطواته، وكانت متزنة وصحيحة.

وهنا تكمن المهمة الحقيقية إرساء الشباب على أرضية صلبة في الفكر والعقيدة، بعيدة عن الشعارات والهتافات الجوفاء.

وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن الخرق الكبير الذي سُجّل في بعض حفلات التخرج لا يمكن النظر إليه بوصفه خللًا دينيًا أو حضاريًا فحسب، بل بوصفه انحرافًا عن معنى التخرّج ذاته؛ إذ تحوّل في بعض صوره إلى احتفال لا يليق بمكانة الطالب الجامعي، وهو الذي يُفترض أن يمثل الشريحة الأوعى في المجتمع، ولا ينسجم مع هوية الطالب العراقي الذي تمتد جذوره إلى منظومة قيم تاريخية صنّفته مصدرًا للبطولة، والشجاعة، والعفة، والغيرة، والكرم.

 

 

العتبة العباسية من الشعائر إلى بناء الإنسان

 

من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى العتبة العباسية المقدسة بوصفها جهة تُعنى بتنظيم الشعائر الدينية فحسب، بل بوصفها منظومة دينية تتبنّى مشروعًا حضاريًا طويل النفس لإعادة بناء الإنسان فكريًا، وأخلاقيًا، وسلوكيًا، ومسؤوليًا.

وهي تدرك جيدًا أهمية تفعيل مشروع يعيد الإنسان إلى جذوره، من دون أن يفصله عن معطيات العصر.

ولعلّ تخرّج الكفيل بفتيته وبناته أحد أبرز تمظهرات هذا المشروع.

ترتكز العتبة العباسية في مشروعها ولا سيما في تخرّج الكفيل على ركيزتين أساسيتين:

 

أولًا: قداسة العلم (لا الجهل المقدّس)

 

من خلال الاحتفاء بالطلبة وأداء القسم، تعيد العتبة الاعتبار للعلم بوصفه أداة لبناء المجتمع وتطوّره، لا وسيلة لتفوّق أجوف غايته شهادة مليئة بالحبر، خالية من القيمة.

كما يمنح هذا التخرّج إحساسًا بأن الإنجاز ليس فرديًا، بل أمانة اجتماعية، تحتفي بها المؤسسات، وتقدّر فيها سنوات الجهد والتعب، تمهيدًا لتقديم خدمة تليق بالوطن وأرضه ومقدساته.

 

ثانيًا: رفض التصرفات الجاهلية

 

الجاهلية ليست مفهومًا انقضى مع عصر ما قبل الإسلام، بل هي حالة تتبدّل أشكالها عبر الأزمنة. وكل سلوك يحطّ من قيمة الإنسان وكرامته، ويعرضه للذل، يُعد سلوكًا جاهليًا، مهما اختلف العصر.

فالتعصّب، والاستهلاك الأعمى، وتسليع المرأة، والفوضى القيمية، وتفريغ العلم من رسالته… جميعها مظاهر جاهلية معاصرة.

 

ومن هذا المنطلق، تسعى العتبة بوصفها مؤسسة دينية تُعنى ببناء الإنسان إلى تفكيك هذه الجاهلية الحديثة، عبر تهذيب السلوك، وإعادة تعريف النجاح، وتقديم نموذج المرأة الواعية العالمة، لا المستهلكة.

من خلال هاتين الركيزتين، يتجسّد تخرّج الكفيل بوصفه حفلًا قيميًا لا استعراضيًا؛ يتجلّى ذلك في رمزية المكان، وأسلوب الخطاب، وطبيعة المراسم والتنظيم، الذي يغلب عليه طابع الوقار.

 

فـتخرّج الكفيل ليس لحظة عابرة، بل مشروعًا

حضاريًا يُعيد بناء الإنسان.

نعم
هل اعجبك المقال