معالجة إشكالية على ضوء القرآن والعترة
تمهيد الإشكال:
قال تعالى {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)} السجدة.
الآية تبين أن هناك أمور خفية من النعم لا يدركها عقل بشر من النعيم الموعد للمؤمنين واكد ذلك الحديث النبوي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : إن الله يقول أعددت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت، ولا اذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. [١]ومعنى ذلك:
لم تره العيون ولم تسمع به الآذان ولم يخطر على قلوب البشر، وهذا النعيم العظيم الذي أخفي عن البشر، فلم تر العيون له شبيها في الدنيا ولم يأت في النصوص ذكره ولم يخطر على قلوب البشر وخيالاتهم ذكره ولم تبلغ عقولهم كنهه أو مداه ولم تصل إليه أفهامهم مطلقا، على أن باب الخيال والتفكير باب واسع لا يحده حد ومع ذلك فقصرت عقول البشر عن بلوغه أو أن تكون قد فكرت به مطلقا.
ولذا أورد جمعٌ من الباحثين إشكالًا على ظواهر الآيات الواصفة لنعيم الجنة، خلاصته:
إن اللذائذ المرتبطة بالأكل والشرب والنكاح في النشأة الدنيوية إنما جُعلت في نظام الخلقة لغايات محدودة؛ فالأكل والشرب لحفظ البدن عن التحلل، والنكاح لحفظ النوع عن الفناء. فإذا كانت الجنة دار خلود لا موت فيها ولا فناء، فما وجه بقاء هذه اللذائذ؟ بل ما الجدوى من بقاء الأجهزة البدنية التي وُجدت لأجل تلك الوظائف؟
وهذا الإشكال — على دقته الظاهرية — ناشئ من قياس النشأة الأخروية على النشأة الدنيوية، وهو قياس يرفضه البيان القرآني ومنهج أهل البيت (عليهم السلام). وذلك لعدة أسباب منها :
أولًا: اختلاف النشأة يوجب اختلاف الحقيقة
يؤسس القرآن الكريم لأصلٍ حاكم في هذا الباب، وهو أن الآخرة نشأة مغايرة في حقيقتها:
﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ ولَعِبٌ وإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ العنكبوت.
أي: الحياة الحقيقية التامة التي لا يشوبها نقص ولا فناء [٢].
وعليه، فالحياة الدنيوية حياة ناقصة ممزوجة بالموت والاحتياج، بينما الحياة الأخروية حياة كمال وغنى لا ننقصها شيء، فلا يصح تفسير ما فيها بقوانين هذه النشأة.
ثانيًا: اللذة في الدنيا وسيلة… وفي الآخرة كمال
اللذة في الدنيا: تابعة للحاجة، وسيلة لدفع النقص أو الفناء
أما في الآخرة: فهي ليست وسيلة، بل نفس الكمال الوجودي
كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ ق.
فالنعيم الأخروي ليس تابعًا للضرورة، بل هو فيض إرادي ناشئ عن كمال الوجود [٣].
ثالثًا: تحوّل وظيفة البدن في النشأة الأخروية
تُصرّح الروايات المعتبرة عن أهل البيت (عليهم السلام) بأن الأجساد في الجنة لا تخضع لقوانين البدن الدنيوي بدليل :
في حديث طويل بدايته مسائل عبد الله بن سلام وكان اسمه " اسماويل " فسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الله، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا أن يكتب كتابا إلى الكفار وإلى النصارى وإلى اليهود، فكتب كتابا أملاه جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " من محمد رسول الله إلى يهود خيبر أما بعد فإن الأرض لله والعاقبة للمتقين والسلام على من اتبع الهدى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثم ختم الكتاب وأرسله إلى يهود خيبر....إلى وصل الحديث
“إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون” [٤]
“وهذا الطعام والشراب يتحول إلى أطيب الطيب وهو المسك بقدرة الله، ثم يخرج منهم على شكل رشح، فهو نعيم على نعيم.”[٥]
الدلالة العلمية:
* الأكل ليس لتعويض ما يتحلل لذلك لا وجود لفساد تركيبي أو فضلات لأن الأجهزة البدنية لا تعمل بوظائفها الدنيوية التي كانت تعمل به سابقاً .
وعليه، فبقاء هذه الأفعال لا يعني بقاء عللها، بل يدل على تحولها من وظائف بقاء إلى مظاهر نعيم.
رابعًا: الاشتراك في الاسم لا في الحقيقة
من القواعد المحكمة في تفسير نعيم الجنة: فقد ورد عن ابن عباس رضوان الله عليه حينما سؤل عن نعيم الجنة وما تعلمه من أهل البيت في بيان ذلك فقال:
“ما في الجنة شيء إلا وله مثل في الدنيا، إلا أنه لا يشبهه” [٦]
فالاشتراك بين النشأتين: اشتراك في الأسماء واختلاف في الحقائق
وعليه، فالأكل والشرب والنكاح في الجنة ليست من سنخ ما في الدنيا، بل حقائق أعلى عُبّر عنها بألفاظ مألوفة تقريبًا للفهم وقريبة من الاستعمال الدنيوي.
خامسًا: تحوّل الغرائز إلى مظاهر كمال
ما يُسمّى في الدنيا “غريزة” هو في جوهره: تعبير عن نقص وجودي وسعي نحو الكمال
أما في الآخرة: فلا نقص حتى يُدفع بل يتحول ذلك الطلب إلى لذة إدراك الكمال نفسه
وقد قرر الحكماء من علماء الإمامية أن:
اللذات الأخروية إدراكات وجودية، لا انفعالات ناشئة عن الحاجة [٧].
سادسًا: البعد الأعلى للنعيم
مع إثبات القرآن للنعيم الحسي، إلا أنه يكشف عن مرتبة أعلى:
﴿..وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ(٧٢)﴾التوبة. وقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام):
“الاختصاص: أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن عوف بن عبد الله الأزدي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أراد الله تبارك وتعالى قبض روح المؤمن قال: يا ملك الموت انطلق أنت وأعوانك إلى عبدي فطال ما نصب نفسه من أجلي، فأتني بروحه لأريحه عندي، فيأتيه ملك الموت بوجه حسن، وثياب طاهرة، وريح طيبة... فلا يزال في راحة حتى يخرج نفسه، ثم يأتيه رضوان خازن الجنة فيسقيه شربة من الجنة لا يعطش في قبره ولا في القيامة حتى يدخل الجنة ريانا ..”[٨]
فكل ما في الجنة من لذائذ إنما هو تجلٍّ لفيض القرب الإلهي، لا غاية مستقلة بذاتها.
سؤال أخير :
ماذا يفيد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله ): "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".؟
هل يفيد أن الحياة الآخرة كالحياة الدنيا في لذائذها ومصائبها، وضح ذلك؟
بناءً على ما تقدّم:
اللذائذ الأخروية ليست استمرارًا وظيفيًا للدنيوية، بل هي تجلٍّ لحقائق اكتسبها الإنسان
فمن:
طهّر نفسه صارت اللذة كمالًا، ومن أفسدها صارت الآلام عذابًا.
وهذا ينسجم مع: أن اللذة في الآخرة كمال، لا وسيلة
فلا يثبت تماثل الدنيا والآخرة، بل يثبت أن:
كيفية عيشك تحدد كيفية موتك، وكيفية موتك تحدد صورتك في البعث
أما تفاصيل الحياة الأخروية، فهي خاضعة لنشأة أخرى لا تقاس بقوانين الدنيا
النتيجة النهائية
يتضح أن الإشكال مبني على تصور دنيوي قاصر، وينحلّ عند ملاحظة الأصول القرآنية والروائية، وذلك لأن:
1. الآخرة نشأة مغايرة في حقيقتها.
2. اللذة فيها كمال لا وسيلة.
3. البدن فيها غير خاضع لقوانين الفساد.
4. الاشتراك لفظي لا حقيقي.
5. الغرائز تتحول إلى مظاهر كمال.
6. الغاية العليا هي رضوان الله سبحانه.
وعليه، فإن بقاء اللذائذ لا يدل على بقاء عللها الدنيوية، بل على تحولها من أدوات ضرورة إلى تجليات كمال وجودي.
زاهر حسين العبد الله
التلقرام
https://t.me/zaher000
الحواشي والمصادر
[١] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٨٩، ص٩٤.
[٢] الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج8، ص295؛
الميزان في تفسير القرآن، ج16، ص126.
[٣] الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص117 (بتقريب المعنى).
[٤] بحار الأنوار، المجلسي، ج٦٤، ص٢٥٧.
[٥] جامع أوصاف الجنة - المجلد 1 - الصفحة 96 - جامع الكتب الإسلامي.
[٦] ابن عساكر (1194), وصححه الألباني في صحيح الجامع (5410).
[٧] الأسفار الأربعة، ج9، مباحث المعاد.
[٨] بحار الأنوار ، المجلسي ،ج٨٩، ص٢٠٩.




تقييم المقال
