ليالي تتكئ فيها الأرواح على أبواب السماء، وتتهيأ النفوس لاستقبال النفحات الخفية، هي سر من أسرار الباري "عز وجل"، ليلة تختلط فيها الأنوار بالمناجاة، فتغدو الأعمال في ميزانها أثقل من ألف شهر.
تتجلى فيها نورانية النشأة الأولى، حيث سبحت الملائكة على ذلك النور، نور سيدة الكائنات فاطمة الزهراء "عليها السلام"، تلك التي ارتبط ذكرها بأول نور أزهر قبل بدء الخليقة، وارتبط بنور الوحي على هذه البسيطة، حتى صار الحديث عنها امتدادا للحديث عن الليلة التي تهتز لها السماء نورا ورحمة.
إنها ليلة القدر التي حباها الله بمقام لا يدركه إلا من وهب قلبه لله، وهي خير من ألف شهر، ومركز للعناية الإلهية كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم، والنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
جاء في تفسير نور الثقلين والبرهان وبحار الأنوار (ج42: 105) نقلا عن تفسير فرات الكوفي، عن الإمام الباقر "عليه السلام" في تفسير سورة القدر قوله: «إنّ فاطمة هي ليلة القدر، من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر».
ومن هنا يجد الباحثون رابطا روحيا عميقا بين السيدة فاطمة الزهراء "عليها السلام" وإحياء ليلة القدر، ويشيرون إلى وجود شواهد كثيرة تؤكد هذا الارتباط.
ومن بين تلك الشواهد ما ورد عن الإمام الصادق "عليه السلام": (في تفسير «إنّا أنزلناه في ليلة القدر»؛ الليلة فاطمة الزهراء، والقدر الله، فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنما سميت فاطمة؛ لأن الخلق فُطِموا عن معرفتها).
هذا البعد المعرفي العظيم من الرواية يفتح لنا بابا واسعا لفهم يتجاوز حدود اللفظ إلى عمق المعنى، إذ لا يُقصد من معرفة فاطمة "عليها السلام" المعرفة التاريخية، التي تكشف نسبها الشريف، إنما المقصود هنا حقيقتها النورانية ومقامها الروحي في ميزان الله سبحانه وتعالى، والتي أثبتتها الروايات: كونها تجليا للنور الإلهي، وامتدادا لنور النبوة، وأن رضاها من رضا الله، وغضبها من غضبه، فمن أدرك هذه الحقيقة، فقد لمس جوهر العلاقة بينها وبين الله سبحانه وتعالى
فهي المرآة التي ينعكس من خلالها ذلك النور القدسي، والسر مخبوء فيها، كيف لا وهي باب للرحمة الخفية التي "فُطِم الخلق عن معرفتها"، أي إن حقيقتها أرقى من أن تحيط بها العقول، فمن وعى نور فاطمة، ووعى مقامها، فقد لامس حقيقة ليلة القدر، لأنها مظهر من مظاهر الفيض الإلهي.
إن سر إدراك ليلة القدر يكمن في الطريق إلى رضا الله تعالى، والأحاديث تبين لنا إن رضا الله من رضا فاطمة "عليها السلام". كما أن الروايات تشير إلى أن محبتها تنفع المؤمن في مائة موطن، أولها أهوال يوم القيامة، فهي الوسيلة والملاذ، وشفقتها على شيعتها ممتدة حتى المحشر والعرض والحساب والجنة والنار، إذ جاء في الحديث إنما سميت فاطمة لأنها تفطم شيعتها ومحبيها من النار… وتلتقطهم كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الرديء.
عندما تذكر الروايات مئة موطن، فهذا التعبير يصف كثرة المواقف العصيبة التي يمر بها الإنسان يوم القيامة، ومنها الحساب، والسؤال، والصراط، وتطاير الصحف، والميزان، وأهوال الانكشاف الكامل للأعمال.
وإن معرفة الزهراء "عليها السلام" ومحبتها هي الطاقة الروحية المنجية التي ترافق الإنسان عبورا نحو أخطر مراحل انتقالاته، وصولا إلى الآخرة وكشف الحقائق، وهناك حيث تتجلى محبتها لتعمل كقوة نجاتية جوهرية مرتبطة بعقيدة الشفاعة والتي هي هندسة الرحمة التي خلق الله بها الوجود.
ففي اللحظات التي ينهار فيها الاعتماد على العمل البشري، تتجلى نورانية الزهراء بين ضعف الإنسان وعدل الله فتلتقط شيعتها ومحبيها.
ونعود للعلاقة بين إدراك ليلة القدر والزهراء "عليها السلام" والنجاة من أهوال يوم القيامة.
ليلة القدر تمثل لحظة انفتاح الوجود على النور الإلهي، وهي أشبه ببوابة زمنية تتنزل فيها المقادير والرحمات، ويتجلى فيها الأمر الإلهي الذي يحدد مسار الإنسان للعام القادم، أي أنها زمن استثنائي لتغيير المصير، والروايات تقول إن فاطمة "عليها السلام" هي ليلة القدر، وأن من عرفها حقا أدرك الليلة، ليلة القدر هي فيض النور الإلهي في الزمن، والزهراء تجلي النور الإلهي في الكمال، فإذا اتصل الإنسان بهذا النور الزماني عبر المعرفة الفاطمية، فقد دخل في حالة التحول الوجودي الذي يجعل الروح أكثر طهارة ونقاء.
ويوم القيامة هو يوم انكشاف السرائر تتجلى فيه الأنوار والظلمات التي صنعها الإنسان في الدنيا يقول الله في محكم كتابه: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}
فمن عاش في الدنيا متصلا بالنور (نور فاطمة) "عليها السلام" تتفتح له أبواب التوبة، وتزيد قابليته للنور، وتطهر نواياه، ويعيد ترتيب باطنه وسيرافقه هذا النور إلى يوم النشور، وبه يستطيع العبور في مواطن القيامة، "فبنورها "سلام الله عليها" ينكشف الطريق، وتُجلى الظلمات في ساحة الحشر وعند الانكشاف الأكبر.
(اللهمَّ بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، والسر المستودع فيها، صل على محمد وآل محمد)
ووفقنا لبلوغ ليلة القدر وإحيائها، واقض حوائجنا وحوائج المؤمنين بها، واشملنا بعفوك وسترك،
واجعل لنا بفاطمة "عليها السلام" في يوم القيامة نورا ينير لنا الدرب حتى نلج الجنة وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين.




تقييم المقال

