مقدمة:
لم يكن العباس مرافقَ دربٍ في كربلاء، ولا أخًا عاديًا دفعه الذهاب مع أخيه مجرّدُ النسب، بل كان ترجمةً صامتةً لليقين، ولسانَ حال الطاعة حين تعجز الكلمات. كان ينظر إلى الإمام الحسين (ع) لا بعين الأخ على أخيه، بل بعين الوليّ إلى حجّة الله سبحانه وتعالى.
فلا يتقدّم إلا بإذنه، ولا يتأخّر إلا بأمره، ولا يختار لنفسه طريقًا إن لم يمرّ أولًا من باب إمام زمانه. فعمق علاقة الأخوين لم يكن دماءً تجري في عروقهما فقط، بل جمعتهما علاقة روحٍ ووجهةٍ ومصيرٍ وهدفٍ لا رجعة فيه.
كانت علاقة ذوبانٍ في ذات إمامه الحسين عليه السلام، حتى لم يعد يُعرَف العباس عليه السلام إلا بقدر ما يُعرَف الإمام الحسين عليه السلام، ولم يُذكَر السيف إلا وهو مشدودٌ إلى راية الإمامة.
فجسّد بحق آية الولاية والطاعة بكل صورها، كما في قوله تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (٥٩)﴾ النساء.
الطاعة هنا مطلقة لا مشروطة، ولا تكون مطلقة إلا لمعصوم.
فالعباس عليه السلام جسّد هذه الطاعة بيقينٍ عميق في أقسى ظرفٍ تاريخي، دون تردّد أو اعتراض أو اجتهاد مقابل النص. فرفعه الله إلى مقامٍ قال فيه بحقه مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام:
«وإنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلةً يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة» الأمالي للشيخ الصدوق 548 . سفينة البحار155:2.
وهذا ليس تعبيرًا إنشائيًا ولا مدحًا عاطفيًا من معصومٍ حاشاه، بل نصٌّ عقديٌّ ذو دلالات عميقة، يكشف عن مقامٍ خاصٍّ وفريدٍ لأبي الفضل العباس عليه السلام في ميزان الله تعالى.
وفيما يلي بيان دلالاته الأساسية بدقة ووضوح:
أولًا: دلالة التميّز في مقام الشهادة
الحديث لم يقل: منزلة عظيمة فقط، بل يصرّح بأنها منزلة يَغبطه بها جميع الشهداء؛ أي إنّ حتى الشهداء، مع عظيم مقامهم، يتمنّون هذه الرتبة.
وهذا يدل على أن شهادة العباس عليه السلام ليست شهادةً عادية، بل شهادة ذات خصوصية نوعية لا يشترك فيها غيره من الشهداء، لما تحمله من درجات عالية في التصديق، والتسليم، والذوبان الكامل في ذات أخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
ثانيًا: دلالة الإخلاص المحض ونقاء القصد
منشأ هذه المنزلة ليس كثرة القتل، ولا طول القتال، بل:
* الإخلاص المطلق
* ذوبان الذات في الإمام الحسين عليه السلام
* الفناء في الطاعة دون أدنى التفاتٍ للنفس
فالعباس عليه السلام لم يقاتل ليُذكَر، ولا ليُمدَح، ولا ليُسجَّل شهيدًا؛
قاتل بوصفه عبدًا لمشروع الإمامة، لا صاحب مشروعٍ مستقل. فجمع في موقفٍ واحد ما يتفرّق في غيره:
الطاعة المطلقة، والبصيرة النافذة، والشجاعة الواعية، والصبر، والإيثار بأعلى صوره، والتضحية بمهجته قبل السلاح.
فكان بحق: مجاهدًا باسلًا بلا تردّد، عارفًا بلا شك، مطيعًا بلا نقاش، مؤثرًا للغير على النفس حتى آخر رمق، وهذا الجمع لعله هو سرّ المنزلة الخاصة.
ثالثًا: دلالة موقعه من الإمام المعصوم عليه السلام
من أهم مفاتيح الحديث:
أن العباس عليه السلام لم يكن مجرد شهيدٍ في كربلاء،
بل كان: حاملَ راية الإمام الحسين (ع)، وحارسَ حريم الإمامة وبنات الرسالة، والذراعَ الواعي للمشروع الحسيني.
ومن يخدم المعصوم بهذا المستوى من التسليم والوعي، فإن الله تعالى يرفعه بمنطق القرب، لا بمنطق العدد.
رابعاً: دلالة الغبطة لا الأفضلية المجرّدة
التعبير بـ يغبطه لا يفضّله؛
فالغبطة تعني: تمنّي النعمة من دون زوالها عن صاحبها.
أي أن مقام العباس عليه السلام ليس مقام مزاحمة، بل مقام إلهام، ودهشة، واعتراف، وهذا أدقّ في بيان علوّ المنزلة.
الخلاصة
الحديث يقرّر حقيقة كبرى:
أن أبا الفضل العباس عليه السلام بلغ مقامًا يتجاوز مفهوم الشهادة التقليدي،
إلى مقام الشهادة الواعية المخلِصة الفانية في إمام زمانه.
فكانت منزلته:
ليست بكثرة الدم،
بل بصفاء النيّة، وتمام التسليم، وكمال البصيرة.
ولهذا:
يغبطه جميع الشهداء… لا لأنهم دونه، بل لأن مقامه فريد لا يُكرَّر.
فالسلام عليك يا قمر بني هاشم، أيها العبد الصالح، المطيع لله ولرسوله، ولِفاطمة الزهراء، والحسن والحسين عليهم السلام،
حين استُشهدت، وحين تُبعث حيًّا،
والحمد لله ربّ العالمين.
زاهر حسين العبد الله




تقييم المقال


